أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
489
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
إلا إياها . واعلم أن الناس في هذا النور على ثلاثة أقسام : قسم نوره حده الباطن ، ولم يصعد من شعاعه شيء لظاهره وهم العوام ، وقسم استولى نورهم على ظاهرهم وباطنهم ، وهم المجذوبون في حضرة اللّه ، وقسم امتلأ باطنهم نورا وصعد شعاعه على ظاهرهم ، فاستولى على الظاهر على الدوام ، وهم السالكون بعد الجذب الراسخون في المعرفة ، واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر الطريقة الموصلة إلى الخصوصية فقال : 250 - دلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه ، وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه ، وبوجود أوصافه على وجود ذاته ، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه . قلت : هذه طريقة الترقي ، فوجود الأثر يدل على وجود القادر والمريد والعليم والحق مثلا ، فالقادر يدل على قيام القدرة به بحيث لا تفارقه ، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه ، فلزم من وجود الأثر وجود المؤثر ، وهنا افتراق أهل الظاهر من أهل الباطن ، فأهل الظاهر أثبتوا من وجود الأثر وجود الأسماء والصفات ، ولم يقدروا على شهود الذات ، غلبهم الحس عن شهود المعنى ، والوهم عن ثبوت العلم ، وشهود الحكمة عن شهود القدرة . وأهل الباطن لما فرغوا قلوبهم من الأغيار ، وباعوا نفوسهم للواحد القهار فتح اللّه عين بصيرتهم ، وأطلعهم على مكنون سره ، فأفردوا الحق بالوجود ، وانتفى عن بصيرتهم نظرهم كل موجود ، إذ محال أن يفارق الصفة موصوفها أو تقوم بنفسها ، فلزم من وجود الصفات وجود الذات ، وهذا هو سر الخصوصية الذي خص اللّه بها أولياءه ، ولم يشاركهم فيه غيرهم . ثم بين أهل الجذب من أهل السلوك ، وأهل التدلي من أهل الترقي فقال : [ فأهل الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته ، ثمّ يردّهم إلى شهود صفاته ، ثم يردهم إلى التّعلّق بأسمائه ، ثم يردهم إلى شهود آثاره ، والسالكون على عكس هذا ؛ فنهاية السالكين بداية المجذوبين ، لكن لا بمعنى واحد ، فربّما التقيا في الطريق ، هذا في ترقّيه ، وهذا في تدلّيه ] . قلت : عباد اللّه المخصوصون بسر الخصوصية هم في سيرهم على قسمين : منهم من يبدأ بالجذب ثم يرد إلى السلوك ، ومنهم من