أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

490

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

يبدأ بالسلوك ثم يدركه الجذب ثم يصحو ، فأرباب الجذب يكشف لهم أولا من غير مجاهدة عن شهود الذات ، فيسكر بشهود نورها ، فينكر الواسطة أصلا ، وينكر الشرائع إلا أنه مغلوب ، ثم يرد من شهود الذات إلى شهود الصفات ، فلا يرى إلا صفات الحق تكثفت وظهرت وينكر الأثر ، ثم إذا شهد الصفات تعلق بالأسماء اللازمة لها ، ثم يرجع إلى شهود آثاره فيقوم بأحكام عبوديته ، والسالكون على عكس هذا ، فيستدلون بوجود آثاره على وجود أسمائه ، وبوجود أسمائه على وجود صفاته ، وبوجود صفاته على وجود ذاته كما تقدم . فنهاية السالكين وهي شهود الذات بداية المجذوبين ، ونهاية المجذوبين وهي شهود الأثر بداية السالكين ، ولكن ليس بمعنى واحد ، بل أحدهما نازل يشهد الأشياء باللّه والآخر صاعد يشهد الأشياء بنفسه للّه ، فربما التقيا في الطريق : كشهود الصفات والتعلق بالأسماء مثلا ، هذا في ترقيه ، وهذا في تدليه ، فإذا وصلا معا اجتمعا لأن المرتقي يرجع للأثر الذي انتهى إليه المجذوب بعد شهود الذات ويكون رجوعه باللّه ، فيجتمعان معا في مقام البقاء ، والمترقي أكمل من المتدلي في التربية ، لأنه قاسى شدائد الطريق وأهوالها بخلاف المجذوب فإنه كان محمولا وهو نادر ، إذ الغالب على الناس السلوك ثم الجذب ، والطريق الشاذلية الغالب عليها الجمع بين الجذب والسلوك من أول قدم ، ومعنى الجذب هو اختطاف الروح من شهود الكون إلى شهود المكوّن . واعلم أن الناس في الجملة على أربعة أقسام : سالكون فقط ، مجذوبون فقط ، سالكون ثم مجذوبون ، ومجذوبون ثم سالكون ، فالأولان لا يصلحان للتربية والإرشاد ، أما السالك فقط : فلأنه ظاهري محض فلا نور له في باطنه يجذب به ، وأما المجذوب فقط : فلا سلوك عنده يسير به ، والآخران يصلحان للتربية مع أفضلية الأول . واعلم أيضا أن حقيقة السلوك الأول هو شهود خلق بلا حق ، وحقيقة الجذب هو شهود حق بلا خلق ، وحقيقة السلوك الثاني هو شهود خلق بحق ، واللّه تعالى أعلم . ثم ما يدركه الواصل من أنوار الشهود والعيان ليست هي حسية يدركها كل إنسان ، وإنما هي معان قلبية وأسرار باطنية ملكوتية ، كما أبان ذلك بقوله :