أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

486

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

الحديث : « اشتاقت الجنّة إلى عليّ وصهيب وبلال « 1 » » كانوا من أهل الصفة والنار تهابه وهو في غيبة عنها ، وقد ورد في الحديث أنها تقول يوم القيامة : « جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي « 2 » » ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام . فأنت أيها الإنسان محبوس مع الأكوان في عالم الأشباح ، مقيد في قيودها ، فهي حينئذ تتصرف فيك كيف شاءت ، حين تكون تحبها وتحرص عليها وتشتاق إليها كائنة ما كانت ، شهادية أو غيبية ، ما لم تشهد المكوّن وتعرفه ، فإذا شهدت المكّون وعرفته كانت الأكوان معك ، لأنك تكون حرّا عنها وهي مملوكة لك لا تحب منها شيئا من حيث كونيتها ، ولا تخاف منها شيئا كذلك ، لأنك قد رحلت عنها إلى عالم الأرواح ، فحينئذ تكون في قبضتك تتصرف فيها كيف شئت ، لأنك حينئذ تصير خليفة اللّه في أرضه ، الكون كله في قبضتك وعند همتك ، لأنك علقت همتك باللّه فصير الأشياء عند همتك . وفي بعض الآثار المروية عن اللّه عز وجلّ يقول : « عبدي اجعلني مكان همّك أكفك كل همّك ، ما كنت بك فأنت في محل البعد ، وما كنت بي فأنت في محل القرب ، فاختر لنفسك « 3 » » . وقال بعض الأشياخ : إني لأدخل السوق والأشياء كلها تشتاق إلي وأنا غني عنها . وقال ابن الجلا رحمه اللّه : من علت همته عن الأكوان وصل إلى مكونها ، ومن وقف بهمته على شيء دون الحق فقد حجب به عنه ، لأنه أعز من أن يرضى معه بشريك انتهى . فمن رفع همته عن الأكوان ومتع بشهود المكوّن فقد ثبتت له الخصوصية الكبرى والولاية العظمى ، ولا يلزم من رفع الهمة عن الأكوان استغناؤه عما تحتاج إليه البشرية مما يقوم به وصفها اللازم لها ، وإليه أشار بقوله : 249 - لا يلزم من ثبوت الخصوصيّة عدم وصف البشريّة . المراد بالوصف البشري : ما جعله اللّه محتاجا إليه بحكمته في قوام بدن الإنسان من أكل وشرب ولباس ومسكن ، وما فطره عليه من شهوة مباحة كنكاح وشهوة غير محرمة ، فهذه الأوصاف

--> ( 1 ) رواه الحاكم في مستدركه ( 3 / 148 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 1 / 191 ) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية ( 1 / 284 ) ، بزيادة ونقص في الروايات ، ففي بعضها سلمان ، وعمار . ( 2 ) رواه الطبراني في الكبير ( 22 / 258 ) ، والبيهقي في الشعب ( 1 / 340 ) . ( 3 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ في كتب الحديث .