أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
487
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
لا ينافي وجودها وجود الخصوصية ، فقد قال تعالى في الرسل : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] ، وقال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [ الرعد : 38 ] . نعم وصف البشرية في حق أهل الخصوصية ليس هو كغيرهم ، لأن أهل الخصوصية أمرهم كله باللّه ، انقلبت حظوظهم حقوقا ، بخلاف غيرهم أنفسهم غالبة عليهم ، فتقلباتهم كلها في حظوظ أنفسهم ، فإذا تقرر هذا علمت أنه لا يلزم من ثبوت الخصوصية وهي الولاية والمعرفة أو الحرية ومعناها واحد عدم وصف البشرية ، فالخصوصية محلها البواطن ، ووصف البشرية محلها الظواهر ، ولذلك اختفت الأولياء والأنبياء والرسل عن الناس ، لظهور أوصاف البشرية عليهم ، فكيف تعرف رجلا يأكل كما تأكل ويشرب وينام ويتزوج النساء ؟ فلا يعرفهم إلا من أراد اللّه سعادته ، وما وقع الإنكار على الأنبياء والأولياء إلا لاعتقادهم أن أوصاف البشرية تنافي ثبوت الخصوصية ، فقد قال الكفار في حقه عليه الصلاة والسلام : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] ، فرد اللّه تعالى عليهم بعدم تنافيهما فقال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الفرقان : 20 ] الآية ، فهذه الأوصاف التي ذكرنا لا ينفك الطبع البشري عنها ، وهي موجودة مع خصوصية النبوة والولاية ، وأما الأوصاف التي هي مذمومة : كالحسد والكبر والبغض ، والعجب والرياء ، والغضب والقلق ، وخوف الفقر وهمّ الرزق ، والتدبير والاختيار وغير ذلك ، فهذه لا بد من التطهير منها في خصوصية النبوة والولاية ، وقد تقدم قوله : اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك ، لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا . أما في حق النبي فتطهيره منها واجب ، لأنه معصوم من جميع النقائص ، وأما في حق الولي فليس بواجب لكنه محفوظ ، فقد يصدر منه شيء من هذه الأوصاف المذمومة على سبيل الهفوة والزلة ، ولا تنافي وجود خصوصيته ، لكنه لا يصر عليها ولا يدوم فيها ، فقد يصدر من الولي الغضب مثلا ، والقلق والتدبير والاختيار ، وغير ذلك ، لكنه كالريح يضرب ويسرح . قال في النصيحة الكافية : وقد تكون للولي هفوة وهفوات وزلة وزلات ولكن لا يصر عليها . وقيل للجنيد : أيزنى العارف ؟ فسكت ثم قال : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [ الأحزاب : 38 ] .