أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

485

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

ومن فضاء الشهود إلى معرفة الملك المعبود ، فما دام الإنسان في الكون بحيث لا يشهد إلا الكون ، ولا يدرك إلا الحس ولم تفتح له ميادين الغيوب : أي لم يخرج إلى فضاء الشهود فهو مسجون بمحيطاته : أي بالأكوان المحيطة به كالسماوات والأفلاك الدائرة به ، فهو في سجن الأكوان محصور أيضا في هيكل ذاته : أي في شكل بشريته وكثائف جسمه ، فإذا غلبت روحانيته على بشريته فقد خرجت من حصر الهيكل ، وإذا نفذت بصيرته إلى فضاء الملكوت أو بحار الجبروت فقد خرجت من سجن الأكوان إلى شهود المكوّن ، فحينئذ تتحرر من رق الأكوان ، وتحظى بنعيم الشهود والعيان . وأما ما دام محصورا في الهيكل مسجونا في الأكوان ، فهو محجوب عن اللّه ولو كان عالما بالعلوم الرسمية متبحرا فيها ، إذ لا يزيده التغلغل فيها إلا حجابا عن اللّه . وقد قال الشيخ أبو الحسن : التغلغل في علم الظاهر يضر بصاحبه في علم الخصوص أو ما هذا معناه . وقال في قوت القلوب : كل من لم يفتح له في هذا العلم علم الباطن فهو من أهل اليمين ، وكل من فتح له في علم الباطن فهو من المقربين السابقين انتهى ، وهو ظاهر ، لأن علم الرسوم لا يخرجه من سجن الأكوان ، فهو مع الأكوان على الدوام ، وإذا كان مع الأكوان فاته شهود المكوّن ، كما قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : 248 - أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك . قلت : ما دام العبد مقيدا في سجن الأكوان ومحصورا في هيكل جسمه فالأكوان حاكمة عليه ، فهو يحبها ويعشقها ، وهي تبغضه وتبعده عن ربه ، وهو يفتقر إليها وهي غنية عنه ، وهو يميل إليها ويحرص عليها ، وهي تفر منه ، وهو يخاف منها ويهابها ، وهي تخوفه وترعبه ، فإذا شهد مكونها وغاب عنها وتحرر من رقها كانت حينئذ هي خادمته وهو حاكم عليها ، وهي تحبه وتعشقه ، وهو مشغوف بحب خالقها ، وهي تفتقر إليه وهو غني عنها ، وهي تحرص عليه وهو زاهد فيها ، وهي تخاف منه وتهابه وهو في أمن منها ، فالجنة تشتاق إليه وهو غني عنها . وفي