أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
468
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
الباب الخامس والعشرون قال رضى اللّه تعالى عنه : 238 - من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبّر حقّا ، إذ ليس التّواضع إلا عن رفعة ، فمتى أثبت لنفسك تواضعا فأنت المتكبّر . قلت : التواضع هو مجاهدة النفس في وضعها وسقوطها ، فهي تريد الرفعة وأنت تريد السقوط ، فإذا حققت ونظرت بعين فكرتك وجدت الأشياء كلها مستوية معك في الخلقة والتجلي من النملة إلى الفيل ، فالمتجلى في النملة هو المتجلي في الفيلة ، فأنت والكلب في حقيقة الخلقة سواء ، وإنما وقع التفضيل في التشريع والحكمة عند أهل الفرق ، فأهل الفرق يرون المزية لأنفسهم عما سواهم ، فإذا تساووا بأنفسهم مع الأشياء رأوا أنهم قد تواضعوا ، وفي الحقيقة إنما تكبروا لأنهم أثبتوا المزية لأنفسهم ورفعوها ، ثم أثبتوا لها التواضع ، فهم المتكبرون على خلق اللّه حقّا ، والعارفون باللّه لم يثبتوا لأنفسهم مزية قط ، رأوا الأشياء كلها سواء خلقا واحدا ونورا واحدا ، فلم يثبتوا لأنفسهم رفعا ولا وضعا ، فهم متواضعون من أول مرة ، فتواضعهم حقيقي أصلي ، فمن أثبت لنفسه تواضعا ورأى أنها تواضعت دون قدرها ، فهو المتكبر حقّا حيث جعل لها قدرا زائدا على خلق اللّه ، إذ ليس التواضع وإثباته للنفس إلا عن رفعة لها أولا ، فمتى أثبت لنفسك أيها الفقير تواضعا ، فأنت المتكبر حقّا ، ولا تكون متواضعا حتى ترى الأشياء كلها مثلك أو أحسن منك إن عصيت ربك . قال أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه : ما دام العبد يرى في الخلق أشر منه فهو متكبر ، ولا يكون متواضعا حتى لا يثبت لنفسه حالا ولا مقالا . وقال بعضهم : من رأى لنفسه قيمة على الكلب فهو متكبر ممقوت عند اللّه ، وإنما يتضع العبد بقدر تحققه بعلو قدر سيده ، والنفس إن لم تتصف بالذل والهوان حقيقة فهي غير مشاهدة لعظمة اللّه ، لأن أصل نشأة النفس الضعف والذل والهوان ، ولا صلاح إلا في الرجوع لأصلها وتبريها من رؤية العز والجاه ، ومن تبريها من ذلك . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : من رأى نفسه قد تواضعت فهو يحتاج إلى تواضع ، ولو تبرأ منها ومن تواضعها لكان متواضعا انتهى .