أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

469

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إنّما الكرم التقوى ، وإنّما الشرف التواضع ، وإنما الغنى اليقين ، والمتواضعون في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة ، إذا تواضع العبد رفعه اللّه إلى السماء السابعة ، ولا يزيد التواضع العبد إلا رفعة ، فتواضعوا ليرفعكم اللّه ، وإذا رأيتم المتواضعين من أمّتي فتواضعوا لهم ، وإذا رأيتم المتكبرين من أمتي فتكبّروا عليهم ، فإنّ ذلك مذلّة لهم وصغار بهم « 1 » » انتهى . أوحى اللّه إلى موسى عليه السلام : إنما أقبل عمل من تواضع لعظمتي ، ولم يتكبر على خلقي ، وألزم قلبه خوفي ، وقطع النهار بذكري ، وكف نفسه عن الشهوات من أجلي انتهى . ثم فسر التواضع الكامل فقال : 239 - ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع ، ولكنّ المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع . قلت : التواضع الحقيقي هو الذي ينشأ ممن يشاهد الأشياء كلها منه ، فإذا تواضع معها رأى أنها تستحق أكثر من ذلك التعظيم ، وأن نفسه في الدناءة والذل دون أي أسفل مما صنع من التواضع ، وليس المتواضع الذي يرى لنفسه مزية على الأشياء ، فإذا تواضع معها رأى أن نفسه فوق وأفضل مما صنع من التواضع ، فهذا هو المتكبر لأنه أثبت لنفسه تواضعا أكثر مما تستحقه ، وهذه الحكمة كأنها بيان وتتميم لما قبلها . يحكى عن أبي الحسن بن الكرنبي أستاذ الجنيد رضي اللّه عنهما : أن رجلا دعاه ثلاث مرات إلى طعامه ثم يرده فيرجع إليه بعد ذلك ، حتى أدخله داره في المرة الرابعة فسأله عن ذلك ؟ فقال : قد ريضت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ، ثم يدعى فيعود ، ويرمى له عظم فيجيب ، ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبتك . قال أبو طالب رضي اللّه تعالى عنه : وحدّث عن بعض الصوفية أنه وقف على رجل يأكل فمد يده وقال : إن كان ثم شيء للّه تعالى ، فقال : اجلس فكل ، فقال : أعطني في كفي فأعطاه في كفه ، فقعد في مكانه يأكل ، فسأله عن امتناعه

--> ( 1 ) ذكره العجلوني في الكشف ( 2 / 143 ) ، وابن رجب في الجامع ( ص 333 ) ، بنحوه مختصرا .