أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
463
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
مصابيح الدين ودعائم الإسلام ، وهؤلاء المؤمنون حقّا ، عباد اللّه المخلصون ، فعند ذلك عطف الخليفة على الجنيد وقال : يا أبا القاسم هؤلاء الفقهاء ما جمعوا لك هذا المجلس العظيم واستعدوا لمناظرتك إلا ليقتلوك لو غلبوك ، والآن أنت الغالب عليهم ، وأنا آليت على نفسي إن أنت غلبتهم أن أمشي عليهم السيف ، فإما أن تعفو عنهم وإما أن يموتوا ، فقال : العياذ باللّه يا سيدي أن يموت أحد منهم بسببي ، عفا اللّه عنا وعنهم ولا أخذ عليهم في إنكارهم علينا ، لأنهم ما ساقهم لذلك إلا الجهل وقلة العلم بما طلبوا ، عفا اللّه عنا وعنهم ، فانحلّ المجلس على سلام ، ولم يمت فيه أحد والحمد للّه ، ثم عطف القاضي على النوري وقال له : يا علي أعجبني حالك واللّه شهيد أني أحبك ، ولكن أسألك سؤال رجل مسترشد فارشدني يرحمك اللّه ، فقال : سل عما بدا لك ، فإن كان عندي جواب أخبرتك وإلا قلت لك : لا علم لي ولا يعظم ذلك عليّ ، ثم سأله عن مسائل عديدة قد تقدم بعضها عند قوله : يا عجبا كيف يظهر الوجود في العدم ، فراجعها إن شئت وتركت الباقي لكثرة التصحيف في النسخة التي وقعت بأيدينا ، واللّه تعالى أعلم . فهذه محنة الصوفية التي وقعت في زمن الجنيد ، وهذه سنة اللّه في أوليائه وأنبيائه ، هم أشد الناس بلاء ، وانظر أيضا قضية القطب الشهير شيخ أشياخنا الشيخ ابن مشيش ، فقد مات مقتولا كما هو معلوم ، وكذلك قضية تلميذه مع القاضي ابن البراء حيث أخرجه من تونس وكتب به إلى عامل مصر وعمل به بينة أنه مشوش وأنه يطلب الملك ، فانتصر اللّه له كما هو شأنه سبحانه من انتصاره لأوليائه . وكذلك قضية الغزواني ، فإنه لما كملت تربيته وظهر رشده أرسله شيخه الشيخ التباع يعمر بلده ، فسكن بنى زكار جوار ضريح الشيخ ابن مشيش ، فلما عمر سوقه وانكبت عليه المخلوقات سعى به إلى السلطان المريني ، فأرسل إليه الحرس وأطلعوه مكبلا إلى العرايش ، لأن السلطان كان ثم نازلا ، ثم أرسل به إلى فارس ، فسجن أربعة أشهر أو ستة حتى قدم السلطان إلى فاس ، فأطلقه وشرط عليه السكنى معه بفاس فسكن معه ، فلما قرب انقراض مدة المرينيين خرج إلى مراكش وقال ذهبت دولة بني مرين ، وبقي بمراكش حتى توفى رضي اللّه تعالى عنه . وذكر التجيبى أن الشبلي رفع إلى السلطان وأخرج أبو يزيد من مدينة بسطام مرارا وهذا أمر شهير . قال بعض الحكماء : إذا أراد اللّه ظهور الحق جعل من خلقه