أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

460

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

يميل إلى الجنيد : يا أعداء اللّه ما أردتم إلا أن تفنوا أولياء اللّه من الأرض واحدا بعد واحد ، قتلتم الحلاج وأنتم ترون له كل يوم عبارة ولا تزدجرون ، وهذا الجنيد لا سبيل لكم إليه حتى تغلبوه بالحجة ، فاجمعوا له الفقهاء واعملوا له مجلسا فإن أنتم غلبتموه ، وشهد الناس بأنكم غالبون عليه قتلته ، وإن هو غلبكم واللّه لأمشين عليكم بالسيف حتى لا نبقي منكم أحدا على الأرض ، قالوا : نعم ، فجمعوا له الفقهاء من الشام واليمن والعراق والأمصار ، فلما اجتمع الفقهاء في ذلك حتى لم يبق في الجوانب الأربع من يعرف مسألة في دينه إلا حضر ، فلما اجتمع الفقهاء في المجلس بعث الملك إليه فأتى هو وأصحابه إلى باب القصر ، فدخل الجنيد وترك أصحابه وأدى حق الخليفة يعني من التعظيم ، وقعد فقام إليه أحد الفقهاء يسأله في مسألة ، فسمعه القاضي علي ابن أبي ثور ، فقال لهم : تسألون الجنيد ؟ فقالوا : نعم ، فقال لهم : أفيكم من هو أفقه منه ؟ فقالوا : لا ، فقال : يا عجبا هو أفقه منكم في علمكم ، وقد تفقه في علم تنكرونه عليه ، يعني ولا تعرفونه فكيف تسألون رجلا لا تدرون ما يقول ؟ فبهت القوم وسكتوا زمانا ، ثم قالوا : ما العلم يا قاضي المسلمين ؟ فأشر بما شئت فنصنع ، فأمرك مطاع ، قال : فردّ القاضي وجهه إلى الأمير وقال له : اترك الجنيد ، واخرج إلى أصحابه صاحب سيفك وهو الوليد بن ربيعة ينادي فيهم : من يقوم إلى السيف ، فأول من يقوم إليه نسأله ، فقال الملك : يرحمك اللّه لم ذلك ؟ تروع القوم ولم تظهر لكم حجة ؟ لا يحل لنا ذلك ، فقال القاضي : يا أمير المؤمنين إن الصوفية يحبون الإيثار على أنفسهم حتى بأنفسهم ، فائذن من ينادي : أيكم يقوم للسيف ؟ فالرجل الذي يقوم مبادرا إلى السيف هو أكثر الناس جهلا وأكثرهم صدقا للّه عز وجلّ ، فيقوم يؤثر أصحابه بالعيش بعده ، فإذا قدم أجهلهم علينا جعل الفقهاء يناظرونه فيما يطلبونه منه ، فإن الفقهاء لا يغلبونه ولا يغلبهم ، فيقع الصلح بيننا وبينهم ، فإنها قد نزلت مصيبة عظيمة لا ندري لمن يقع النجاة منها ، فإنه إن قتل الجنيد نزلت داهية في الإسلام ، فإنه قطب الإيمان في عصرنا ، وإن قتل العلماء والفقهاء فهي مصيبة عظيمة ، فقال له الأمير : للّه درك لقد أصبت ، ثم عطف على الوليد وقال : افعل ما يقول لك القاضي ، فخرج الوليد وهو مقلد سيفه ، فوقف على المريدين وهم مائتان وسبعون رجلا قعودا ناكسين رؤوسهم وهم يذكرون اللّه ، فنادى فيهم : أفيكم من يقوم إلى السيف ؟ فقام إليه