أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

461

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

رجل يقال له أبو الحسن النوري ، فقال الوليد : ما رأيت طائرا أسرع منه ، فوثب قائما بين يدي ، فعجبت من سرعة قيامه ، فقلت : يا هذا أعلمت لم قمت ؟ فقال : نعم ، ألم تقل أفيكم من يقوم للسيف ؟ فقلت له : نعم ، فقال : ولم قمت ؟ قال : علمت أن الدنيا سجن المؤمن فأحببت أن أخرج إلى دار الفوز ، وأن أوثر أصحابي عليّ بالعيش ولو ساعة ، ولعلي أقتل فيطفأ الشربي فيسلم جميعهم ولا يقتل أحد غيري ، قال الصاحب : فعجبت من فصاحته ، فقلت : أجب القاضي ، فتغير لونه ، وسالت عبرته على خده ، فقال : أو دعاني القاضي ؟ قلت : نعم دعاك ، قال : فحقّا عليّ إجابته ، فدخلت وهو معي فأخبرت الملك والقاضي بقصته ، فتعجبا منه وسأله القاضي عن مسألة غامضة ، فقال : من أنت ؟ ولم خلقت ؟ وما أراد اللّه بخلقك ؟ وأين هو ربك منك ؟ فقال : ومن أنت الذي تسألني ؟ فقال : أنا قاضي القضاة ، فقال له : إذا لا رب غيرك ولا معبود سواك ، أنت قاضي القضاة ، وهذا يوم الفصل والقضاء والناس قد حشروا ضحى ، فأين النفخة في الصور التي قال اللّه فيها : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] ؟ أنا ممن صعق أم أنا ممن شاء اللّه الذي لم أشهد النفخ ؟ فبهت القاضي زمانا ، وقال : يا هذا أجعلت منى إلها ؟ قال : معاذ اللّه بل أنت تألهت حيث تسميت بقاضي القضاة ، وليس قاضي القضاة إلا القاضي الذي يقضي ولا يقضي عليه ، أضاقت عليك الأسماء ؟ ! أما كفاك قاضي المسلمين أو أحد الفقهاء أم أحد من عباد اللّه حتى تسميت بقاضي القضاة ؟ استكبرت أن تقول أنا علي بن أبي ثور ، فما زال يقرعه حتى بكى القاضي ، وهمّ أن تزهق نفسه وبكى الملك لبكائه ، وبكى الجنيد ، فقال لتلميذه : اقصر من عتابك للقاضي فقد قتلته فخل سبيله ، فلما أفاق القاضي قال : يا أبا الحسن أجبني عن مسألتي وأنا أتوب إلى اللّه بين يديك ، فقال : اذكر مسألتك فإني نسيتها ، فأعاد عليه مسألته فنظر عن يمينه وقال : أتجاوبه ؟ ثم قال : حسبي اللّه ، ثم فعل عن يساره مثل ذلك ، ثم نظر أمامه وقال أتجاوبه ؟ ثم قال : الحمد للّه ، ثم رفع رأسه إلى القاضي وقال له : أما قولك يرحمك اللّه من أنت ؟ فأنا عبد اللّه ، لقوله تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 93 ] ، وأما قولك لماذا خلقت ؟ فكان اللّه كنزا لا يعرف فخلقني لمعرفته ، قال تعالى :