أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

459

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

وجدوا ) ثم قال : ومما يدلك على أن هذه سنة اللّه في أحبائه وأصفيائه قوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [ البقرة : 214 ] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى انتهى . وقال بعض العارفين : ويجب أن تعلم أن النفوس شأنها استحلاء الإقامة في موطن العز والرفعة ، فلو تركها الحق سبحانه لهلكت فأزعجها عن ذلك بما سلط عليها من أذى المؤذنين ومعارضة الجاحدين ، وفي هذا المعنى قيل : عداتي لهم فضل عليّ ومنّة * فلا أبعد الرحمن عنّي الأعاديا فهم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها * وهم نافسوني فارتكبت المعاليا وقال بعضهم : النصيحة من العدو سوط من اللّه يرد به القلوب إذا سكنت إلى غيره وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه ، وهو حجاب عن اللّه تعالى عظيم . وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : آذاني إنسان مرة فضقت ذرعا بذلك ، فنمت فرأيت يقال لي : من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم انتهى . إذا تقرر هذا علمت أن إذاية الخلق للولي سنة ماضية ، يعني سنة أنبياء اللّه ورسله ، فلن تجد لسنة اللّه تبديلا ، وانظر أحوال نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم ما رأى مع قريش وبني وائل ، مكث معهم بعد النبوة التي هي محل الأذى من الخلق ثلاث عشرة سنة كلها جلد وشدة وبلاء ، وحين انتقل إلى المدينة لم تكن له راحة بين جهاد وتعليم ومعاناة أحبار يهود ، بالإذاية والتشغيب ، حتى لقي اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم ، وكذلك أصحابه معه وبعده لم تكن لهم راحة ، وجلهم ماتوا مقتولين ، فقد مات الصديق مسموما ، ومات الفاروق مقتولا ، وعثمان مذبوحا ، وسيدنا علي مضروبا بالسيف مسموما ، حتى مات الحسن مسموما ، والحسين مقتولا حتى لعبوا برأسه بالشام ثم دفن بمصر ، فداه بعض الملوك ودفنه بمصر ، وهو مزار الحسين المشهور عندهم ، ثم ما لا يحصى ، وقد سعى بالجنيد وأصحابه للسلطان وأتى بهم للسيف ثم لطف اللّه بهم . وقصتهم : أن فقهاء بغداد قالوا للمتوكل : إن الجنيد قد تزندق هو وأصحابه ، فقال لهم الملك « 1 » : وكان

--> ( 1 ) في المطبوعة : الخليفة - بدلا - من الملك .