أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
452
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
حبطا « 1 » » الحديث ، فأخبر عليه السلام أن ظاهر الدنيا خضرة حلوة وباطنها سم قاتل . وقد شبه بعض الحكماء الدنيا بسبعة أشياء : شبهها بالماء المالح يغرق ولا يروي ، ويضر ولا ينفع ، قلت : وكذلك الدنيا تغرق صاحبها في حبها ويموت عطشان منها . وشبهها بظل الغمام يغر ويخذل ، قلت : وهو الذي يغطي بعض المواضع ، فإذا أشرقت الشمس تقشع عنه . وشبهها بالبرق الخاطف يعني في سرعة الذهاب والاضطراب ، وبسحاب الصيف يضر ولا ينفع ، وبزهر الربيع يغر بزهرته ، ثم يصفر فتراه هشيما ، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه ، فإذا استيقظ لم يجد في يده شيئا إلا الحسرة ، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل انتهى . قال حفيده : فتأملت هذه الحروف السبعة سبعين سنة ، ثم زدت فيها حرفا واحدا ، فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها انتهى ، نقلها ابن عبّاد رضي اللّه تعالى عنه فانظره ، ثم علل كون الدنيا محلا للأكدار والأغيار ، فقال : 229 - إنما جعلها محلا للأغيار ومعدنا لوجود الأكدار ، تزهيدا لك فيها . قلت : إنما وسم اللّه الدنيا بهذه الأوصاف من كونها محلا للأغيار والأحزان ، ومعدنا لوجود الأكدار والفتن ، تزهيدا لك فيها ، فتقبل بكليّتك عليه ، وتتوجه بهمتك إليه ، أو لتعرض عن الدنيا وتقبل على الآخرة . قال بعضهم : إنما مثل الدنيا كالبحر الهائل المحيط ، والآخرة من وراء ذلك البحر ، ولا ينكشف الحجاب عن عين القلب بالنظر إلى الدار الآخرة إلا بعد الجواز على ذلك البحر في سفن الصبر والرضا ، لأنه بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ، يغشاه موج الشهوات ، من فوقه موج الغفلات ، من فوقه سحاب الكائنات . وأيضا لو بسطت لك الدنيا لكرهت لقاء اللّه ، فيكره اللّه لقاءك ، ولو بسطت لك العوافي والنعم لركنت الروح إلى هذا العالم ، فتبقى دائما في عالم الأشباح ، والمقصود منك هو الرحيل إلى عالم الأرواح ، فضيق الحق تعالى عليك هذا العالم السفلي لترحل منه بهمتك إلى العالم
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1045 ) .