أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
453
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
العلوي ، فهو منه سبحانه إنعام وإحسان ، لكنها في قالب الامتحان ، فلا يذوقها إلا أولو البصائر الحسان ، فهذا ما أشار إليه بقوله : 230 - علم أنك لا تقبل النّصح لمجرد القول ، فذوقك من ذوقها ما سهّل عليك فراقها . قلت : قد علم الحق سبحانه أن من عباده من لا يقبل النصح بمجرد القول ، فلا يزهد في الدنيا بمجرد سماع الوعظ ، إذ كثير من أهل العلم والفهم يسمعون القرآن يقرعهم عليها ، ويحذرهم من غرورها وهم غائبون عن ذلك التذكير ، مشغولون بما يوجب لقلوبهم التنكير ، فلما أراد سبحانه أن يصطفي لحضرته من شاء من عباده نغصها عليهم ، وشدد عليهم البلاء والمحن ، وأجرى على ظاهرهم مواقع الفتن ، كل ذلك عناية بهم ، ليذوقوا مرارة باطنها ، فلا يغتروا بحلاوة زخرف ظاهرها . سئل رسول اللّه : من أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؟ قال : « الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، واهتموا بآجلها حين اهتم الناس بعاجلها « 1 » » الحديث . وقد تقدم عند قوله : الأكوان ظاهرها غرة ، وباطنها عبرة ، فكل ما ينزل بالولي من هذه التعرفات الجلالية التي تغير النفس وتقهرها فهو خير كثير في حقه ، فقد قالوا : الامتحان بقدر الإمكان ، وكل محنة تزيد مكنة ، واختبار الباقي يقطع التباقي ، فقد تبقى في القلب بقية من حب شيء من هذا العالم ، أو ركون لشئ من الدنيا ، فيسلط عليه من يشوشه عليه وينغصه لديه ، كل ذلك عناية به ، ليرحل من هذا العالم إلى عالم الملكوت ، فإذا تحقق رحيله استوى عنده الحلو والمر ، والعز والذل ، والغنى والفقر ، لأنه تحقق أن كلا من عند اللّه وما في الوجود سواه ، وهذا هو العلم الحقيقي الذي هو العلم النافع ، وإليه أشار بقوله : 231 - العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه ، وينكشف به عن القلب قناعه .
--> ( 1 ) رواه ابن أبي الدنيا في الأولياء ( ص 15 ) ، وابن أبي عاصم في الزهد ( ص 60 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 1 / 10 ) .