أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
451
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
بباطن حسرتها ، إن رغبتك فيها حلاوة إقبالها زهدتك فيها مرارة إدبارها . قال الشيخ أبو علي الثقفي رضي اللّه تعالى عنه : أف لأشغال الدنيا إذا أقبلت ، وأف من حسرتها إذا أدبرت ، والعاقل لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان فتنة ، وإذا أدبر كان حسرة ، وأنشدوا في ذلك : ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه * فسوف لعمري عن قريب يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وكتب علي كرم اللّه وجهه إلى سليمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنه : مثل الدنيا كمثل الحية ليّن لمسها ، قاتل سمها ، فأعرض عن كل ما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها ، وكن أسر ما تكون فيها أحزن ما تكون منها ، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن إلى سرورها أشخص إلى مكروهها ، وقيل : الدنيا أحلام منام ، وسرورها ظل غمام ، أحداثها سهام ، وفتنتها طوام : أي أمواج ، وسمها اللّه بالوحشة ، وقرنها بالفجائع والدهشة ، ثم أوحى لها : يا دنيا تشددي على أوليائي ، وتوسعي على أعدائي ، فمن نظر الدنيا بعين الإنصاف كفاه منها أقل الأوصاف ، إذ ليس فيها شيء محمود إلا وقابله شيء مذموم ، كالمال بالانصراف والذهاب ، والشباب بالهرم ، والصحة بالسقم ، والفرح بالحزن ، والعز بالذل ، والحياة بالموت . قلت : حكي عن الولي الصالح سيدي قاسم بن صبيح من قبيلة بني سعيد أنه قصد إذايته بعض الحكام ففر إلى سيدي الغزالي بترغة ، فجلس عند ضريحه مشتكيا بلسان حاله ، فمد له من القبر بعود الريحان كاغدا مكتوبا لم يجف مداده فيه هذان البيتان : إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة * فهيّء له صبرا ووسّع له صدرا لأن تصاريف الزمان كثيرة * فيوما ترى عسرا ويوما ترى يسرا فمن وقف مع ظاهر الدنيا نادته هواتف باطنها : إنما نحن غرة فلا تغتر ، وهذا معنى قوله : [ إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن ] . قلت : ظاهرها خضرة حلوة ، وباطنها خبيثة مرة قال عليه السلام : « الدنيا خضرة حلوة ، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل أو يلمّ