أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
444
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
الباب الرابع والعشرون قال رضي اللّه تعالى عنه : 223 - النعيم وإن تنوعت مظاهره إنما هو بشهوده واقترابه ، والعذاب وإن تنوعت مظاهره إنما هو بوجود حجابه ، فسبب العذاب وجود الحجاب ، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم . قلت : نعيم الروح وعذابها إنما هو بشهود ربها واحتجابها ، وذلك بعد تخلصها من عالم الأشباح ، وترقيها إلى عالم الأرواح ، فيكون حينئذ نعيمها روح الوصال وريحان الجمال ، وعذابها احتجابها عن شهود ذلك الجمال ، وبعدها عن الكبير المتعال ، وهذا الأمر حاصل في دار الدوام لجميع الأنام ، لأنه تميز الحق من الباطل ، وعرف كل واحد مثواه ومستقره ، فأهل الجنان أحسوا بالرضا والرضوان ، فهم عالمون بقرب الحق منهم ورضاه عنهم ، لكنهم متفاوتون في العلم ، فمنهم من يعلم من وراء الرداء ، ومنهم من يعرف داخل الرداء . وفي البخاري : « وما بين الناس وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن « 1 » » ، ولا يفهم هذا الرداء إلا أهل الأذواق ، وأما أهل النار فأحسوا بالبعد من الواحد القهار ، فتضاعف عذابهم في دار البوار . ولو أن الحق تعالى تجلى لهم بصفة جماله لأنساهم ذلك اليوم عذابه ، ولو أنه تعالى احتجب عن أهل الجنة لضاق عليهم فسيح الجنان ، ولا نقلب نعيمهم نقمة وعذابا ، أما من كان في دار الدنيا عارفا فلا يحتجب الحق تعالى عنه ، كما شهده هنا بوسائط أنواره يشهده ثم بلطائف أسراره ، بل ثمّ أولى لغلبة المعنى على الحس ، والقدرة على الحكمة ، وأما من كان هنا محجوبا فهو ثمّ أيضا محجوب ، قال تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] ، وللآية تفسيران ظاهر وباطن ، لكن في دار البقاء يرق الحجاب لرقة الأبدان ولطافتها ، فلذلك صار نعيمهم لا يكمل إلا بشهود القرب ، فإذا فقدوه تنغص نعيمهم لأن في
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1848 ) ، ومسلم ( 1 / 163 ) ، وذكره الشيخ المصنف بنحوه .