أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
445
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
تلك الدار صار الحكم للأرواح ، وفي هذا لدار الحكم للأشباح ، إلا من ترقى هنا إلى عالم الأرواح فهو من أهل الجنة فنعيمه نعيم الأرواح ، وهو روح الوصال وشهود الكمال ، فنعيمه بشهود اقترابه ورضوانه ، فلو زال عنهم شهود القرب أو انقطع عنهم مدد الرضوان لضاق عليهم فسيح الجنان . وأما نعيم الأشباح وعذابها : أعني من كان محجوبا بها فإنما هو لموافقة ما يلائم طبعه أو مخالفته ، فإذا جاء ما يلائمه من صحة وعافية وجمال حسي فهو في حقه نعيم ، وإذا جاء ما يخالف طبعه من وجع أو فقد أو منع أو فتنة فهو عذاب في حقه إذ لاحظ له في لذة القرب ومرارة البعد ، فإنما حظه من النعيم نعيم البهائم ، نعم لو قدرنا أن العادة تخرق له ويتجلى الحق تعالى له في حال عذابه الحسي بصفة جماله لنسي ذلك العذاب . والحاصل : أن كلام الشيخ إنما هو في حق أهل القرب أو الشهود بحيث يجد لذة القرب وحلاوة الشهود ، ويحس بمرارة البعد وضيق الحجاب في هذه الدار وفي تلك الدار ، هذا ما ظهر لي ، وهذا الذي ذكره الشيخ مذوق عند أرباب العشق ، فكم من عاشق ضرب بمحضر محبوبه فلم يحس بألم الضرب ، فلما غاب عنه تضرع واستغاث ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : لما حضر من كنت أضرب من أجله غبت عن ألم الضرب ، فلما غاب عني وجدت ألمه . قلت : ولهذا المعنى استلذ العارفون الفاقات ، وأنواع التعرفات ، وضروب البليات لما ذاقوا في ذلك من إقبال محبوبهم ، ورضا مشهودهم . كان بعض الصحابة رضي اللّه عنهم يقول : ألا حبذا المكروهات الثلاث : الفقر والمرض والموت : أي ما أحبهم لي وأعزهم ، وكانت زوجة بلال تصيح عند موته : واكرباه ، فيقول هو : واطرباه ، غدا ألقى الأحبة : محمدا وحزبه . ولما ضرب عامر بن فهيرة بالرمح ونفذ من ظهره إلى صدره قال : فزت ورب الكعبة . وكان بعض الأولياء مجذوما ، وهو يدعو للمرضى فيبرءون من حينهم ، فقيل له : لو دعوت اللّه أن يخفف عنك ؛ فقال : رأيت رب العزة في النوم وهو يقول لي : أتريد أن أبتليك ببلية أرفع لك بها أعلى الدرجات ؟ قلت : نعم ، فأصبح مجذوما . فانظر هؤلاء السادات لما عرجوا من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، لم يبق لهم نعيم ولا عذاب إلا نعيم الأرواح أو عذابها ، وأما عذاب الأشباح فقد غابوا عنه ، فكان نعيم هؤلاء وقوت أرواحهم هو ذكر ربهم وشهود نوره أو اقترابه ، حتى صار