أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
39
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
والتدبير المحمود ، هو الذي يؤديك إلى القرب من اللّه ويوصلك إلى مرضاة اللّه . . إلخ . انظر بقية كلامه فهذا تحرير ما ظهر لي في شأن التدبير وقد ألف الشيخ رضي اللّه تعالى عنه فيه كتابا سماه « التنوير في إسقاط التدبير » أحسن فيه وأجاد ومرجعه إلى ما ذكرنا واللّه تعالى أعلم . ولما كمله اطلع عليه الولي الكامل سيدي ياقوت العرشي ، فلما طالعه قال له : جميع ما قلت مجموع في بيتين وهما هاذان : ما ثمّ إلا ما أراد * فاترك همومك وانطرح واترك شواغلك التي * شغلت بها تسترح ولما كان الانهماك في التدبير والاختيار يدل على انطماس البصيرة وتركهما أو فعلهما باللّه يدل على فتح البصيرة ، ذكر علامة أخرى أظهر وأشهر منهما على فتح البصيرة أو طمسها فقال : 5 - اجتهادك فيما ضمن لك ، وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك . قلت : الاجتهاد في الشيء استفراغ الجهد والطاقة في طلبه ، والتقصير هو التفريط والتضييع والبصيرة ناظر القلب كما أن البصر ناظر القالب ، فالبصيرة لا ترى إلا المعاني والبصر لا يرى إلا المحسوسات ، أو تقول البصيرة لا ترى إلا اللطيف ، والبصر لا يرى إلا الكثيف ، أو تقول البصيرة لا ترى إلا القديم والبصر لا يرى إلا الحادث ، أو تقول البصيرة لا ترى إلا المكون ، والبصر لا يرى إلا الكون ، فإذا أراد اللّه فتح بصيرة العبد أشغله في الظاهر بخدمته وفي الباطن بمحبته ، فكلما عظمت المحبة في الباطن والخدمة في الظاهر قوي نور البصيرة حتى يستولى على البصر ، فيغيب نور البصر في نور البصيرة فلا يرى إلا ما تراه البصيرة من المعاني اللطيفة والأنوار القديمة وهذا معنى قول شيخ شيوخنا المجذوب :