أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

162

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

قال في التنوير : وإنما منع العباد من السبق إلى اللّه جواذب التعلق بغير اللّه ، فكلما همت قلوبهم أن ترحل إلى اللّه جذبها ذلك التعلق إلى ما به تعلقت ، فكرّت راجعة إليه ، ومقبلة عليه ، فالحضرة محرمة على من هذا وصفه وممنوعة على من هذا نعته . قال بعض العارفين : لا تظن أن تدخل الحضرة الإلهية ، وشيء من ورائك يجذبك . وافهم هنا قوله سبحانه : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء 88 : 89 ] ، هو الذي لا تعلق له بشيء دون اللّه وقوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 94 ] ، يفهم منه أيضا أنه لا يصح مجيئك إلى اللّه بالوصول إليه إلا إذا كنت فردا مما سواه وقوله تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [ الضحى : 6 ] ، يفهم أنه لا يأويك إليه إلا إذا صح يتمك مما سواه ، وقوله عليه السلام : « إنّ اللّه وتر يحبّ الوتر « 1 » » ، أي يحب القلب الذي لا يشفع بثنوية الآثار . ثم قال : وقال بعضهم : لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ، فإنه لا غير معه حتى أشهده معه انتهى . فتحصل أن الوهم حجب عن اللّه العوام والخواص ، وأما خواص الخواص فلم يحجبهم عن اللّه شيء ، أما العوام فقادهم إلى التعلق بالخلق ومنعهم عن السير إلى الملك الحق فاشتغلوا بمراقبة الأحباب ، وعداوة من عاداهم من الأصحاب ، ففاتهم محبة الحبيب ومراقبة الرقيب ، وأما الخواص فقادهم الوهم إلى ثبوت الآثار والوقوف مع الأنوار ، فقنعوا بذلك ، ولم يتشوفوا إلى ما وراء ذلك ، فالقناعة من اللّه حرمان ، وليس الخبر كالعيان . وسمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول : واللّه ما حجب الناس عن اللّه إلا الوهم ، والوهم أمر عدمي لا حقيقة له انتهى . وأما خواص الخواص فلم يحجبهم عن اللّه شيء ، قطعوا حجاب الوهم ، وحصل لهم من اللّه العلم والفهم فلم يتعلقوا بشيء ، ولم يحجبهم عن اللّه

--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 2 / 316 ) ، والنسائي في الكبرى ( 1 / 171 ) ، وابن ماجة ( 1 / 370 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 2 / 468 ) ، والدارمي ( 2 / 316 ) .