أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
163
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
شيء جعلنا اللّه منهم بمنه وكرمه ، ولما كان الوهم ينشأ عنه الطمع ، والطمع ينشأ عنه الذل والعبودية ، واليقين ينشأ عنه الورع ، والورع ينشأ عنه العز والحرية ، نبه عليه بقوله : 62 - أنت حرّ مما أنت عنه آيس ، وعبد لما أنت فيه طامع . قلت : إنما كان الإنسان حرّا مما أيس منه ، لأنه لما أيس من ذلك الشيء رفع همته عنه وعلقها بالملك الحق ، فلما علق همته بالملك الحق سخر الحق له تعالى له سائر الخلق فكانت الأشياء كلها عبيدا له ، ومسخرة لأمره . أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن ، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك . فمن كان عبدا للّه كان حرّا مما سواه ، وإنما كان الإنسان عبدا لما طمع فيه ، لأن الطمع في الشيء يقتضي المحبة له والخضوع والانقياد إليه ، فيكون عند أمره ونهيه ، لأن حبك الشيء يعمي ويصم ، وهذه حقيقة العبودية وفي هذا المعنى قيل : العبد حر ما قنع ، والحر عبد ما طمع ، وما أقبح الإنسان الذي يريد سيده منه أن يكون ملكا ، وهو يريد أن يكون مملوكا ، يريد سيده أن يجعله حرّا وهو يريد أن يكون عبدا ، خلق له سيده الكون بأسره خادما له عند نهيه وأمره فجعل هو يخدم الكون بنفسه ، ويتعبد لأقل شيء وأخسه . يقول المصنف في التنوير في مناجاة الحق تعالى على ألسنة الهواتف : إنا أجللنا قدرك أيها العبد أن نشغلك بأمر نفسك ، فلا تضعن قدرك يا من رفعناه ، ولا تذلن بحوالتك على غيري يا من أعززناه ، ويحك أنت أجل عندنا من أن تشتغل بغيرنا ، لحضرتي خلقتك وإليها طلبتك وبجواذب عنايتي لها جذبتك ، فإن اشتغلت بنفسك حجبتك ، وإن اتبعت هواها طردتك ، وإن أخرجت عنها قربتك ، وإن توددت لي بإعراضك عما سواي أحببتك انتهى . فتحصل أن محبة الأشياء والطمع فيها هو سبب الذل والهوان ، والتعبد لسائر الأكوان ، وأن الإياس من الأشياء ، ورفع الهمة عنها هو سبب العز والحرية والتيه على الأقران ، وللّه در القائل حيث قال :