أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
146
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
بعدلك ، فلم تدع لي رجاء ، فليت شعري كيف أرى إحساني مع إحسانك أم كيف أجهل فضلك مع عصيانك ؟ انتهى . ومعنى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : أن العبد إذا كان في المعصية شهد قهرية الحق وعظمته وضعف نفسه وعجزه واكتسب من المعصية انكسارا وذلا لنفسه وتعظيما وإجلالا لربه ، وهذا أفضل الطاعات ، فقد نادته معصيته التي هو فيها بالطاعة التي يجتنيها منها ، وإذا كان في الطاعة ربما شهد فيها نفسه وقصد متعته وحظه ، فأشرك بربه وأخلّ بأدبه ، وهذه معصية ، فإذا كان في الطاعة نادته بهذه المعصية التي يجتنيها منها فلا يدري من أيهما يخاف وأيهما يرجو ؟ وقوله : إن قلت بالمعصية إلخ . أي إن نظرت إلى صورة المعصية قابلتني بفضلك ، فانمحى اسمها واندرس رسمها ، وإن نظرت إلى صورة الطاعة قابلتني بعدلك ، فاضمحلت وانمحت وبقي محض الرجاء من الكريم الوهاب الذي يعطي بلا سبب ويغطي بحمله المناقشة والعتاب ، واللّه تعالى أعلم ، فتحصل أن العارف لا يقف مع معصية وإن جلت ، ولا مع طاعة وإن عظمت ، وهو معنى قوله : 50 - لا صغيرة إذا قابلك عدله ، ولا كبيرة إذا واجهك فضله . قلت : الصغيرة : هي الجريمة التي لا وعيد فيها من القرآن ولا من الحديث ، والكبيرة : هي التي توعّد عليها بالعذاب أو الحد في القرآن أو في السنة ، وقيل غير ذلك هذا كله بالنظر لظاهر الأمر . وأما باعتبار ما عند اللّه من أمر غيبه ، وبالنظر إلى حلمه وعدله ، فقد يبرز خلاف ما يظن قال تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] ، فمن سبقت له العناية لا تضره الجناية ، فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] ، إن كانت الأعمال علامات فقد تختلف في بعض المقامات ، فوجب استواء الرجاء والخوف في بعض المقامات والتسليم للّه في كل الأوقات ، إذ قد تمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ، فإذا قابلك الحق سبحانه وتعالى بعدله وجلاله لم تبق