أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
134
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
قوله عليه الصلاة والسلام : « عمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة « 1 » » ، وأي بدعة أعظم وأشنع من حب الدنيا والانكباب عليها بالقلب والقالب الذي لم يكن في زمنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ولا في زمن الصحابة حتى ظهرت الفراعنة فبنوا وشيدوا وزخرفوا ، فهذه هي البدعة الحقيقية فعمل هؤلاء قليل في المعنى ، وإن كان كثيرا في الحس إذ لا عبرة بحركة الأشباح ، وإنما العبرة بخضوع الأرواح ، عبادة الزاهد باللّه للّه ، وعبادة الراغب بالنفس للنفس ، عبادة الزاهد حية باقية ، وعبادة الراغب ميتة فانية ، عبادة الزاهد متصلة على الدوام ، وعبادة الراغب منقطعة بلا تمام ، عبادة الزاهد في مساجد الحضرة التي أذن اللّه أن ترفع وعبادة الراغب في مزابل القذارات التي أذن اللّه أن توضع ، ولذلك قال بعضهم : عبادة الغني كالمصلي على المزبلة ، وما مثل عبادة الزاهد مع قلتها في الحس وكثرتها في المعنى ، وعبادة الراغب مع كثرتها في الحس وقلتها في المعنى إلا كرجلين أهديا للملك أحدهما : أهدى ياقوتة صافية صغيرة قيمتها ستون قنطارا ، والآخر : أهدى ستين صندوقا خاوية فارغة ، فلا شك أن الملك يقبل الياقوتة ويكرم صاحبها ، ويرد الصناديق ويهين صاحبها ويغضب عليه ، لكونه استهزأ بالملك حيث أهدى له خشبا خاوية ، شهرتها أعظم من منفعتها . وسمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول : الراغب في الدنيا غافل ، ولو كان يقول : اللّه اللّه بلسانه على الدوام ، إذ لا عبرة باللسان والزاهد في الدنيا ذاكر على الدام ، ولو قلّ ذكره باللسان انتهى . قلت : وبهذا فسّر بعضهم قوله تعالى : لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 142 ] أي مع الغفلة والرغبة ، ولو كثر في الحس انتهى . وقال سيدنا علي كرم اللّه وجهه : كونوا لقبول العمل أشدّ منكم اهتماما للعمل ، فإنه لم يقلّ عمل مع التقوى ، وكيف يقلّ عمل يتقبل انتهى . وقال ابن مسعود
--> ( 1 ) رواه معمر في جامعه ( 1 / 291 ) ، وابن وضاح في البدع ( ص 22 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 3 / 76 ) .