أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

110

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

والأنس باللّه والتوحش مما سواه ، فيهتدي إليه ويفنى فيه ويذوق حلاوته ويتمكن من المراقبة ، وهذا النور أعظم من الأول وأكمل ، ثم يتوجه إليه بنور حلاوة المشاهدة ، وهو عمل الروح وهو أول نور المواجهة ، فتأخذه الدهشة والحيرة والسكرة ، فإذا أفاق من سكرته وصحا من جذبته وتمكن من الشهود وعرف الملك المعبود ورجع إلى البقاء ، كان للّه وباللّه فاستغنى عن النور بمشاهدة نور النور ، لأنه صار عين النور ، فصار مالكا للأنوار بعد أن كانت مالكة له لافتقاره لها قبل وصوله إلى أصلها ، فلما وصل صار عبدا للّه ، حرّا مما سواه ، ظاهره عبودية وباطنه حرية ، والحاصل أن المريد ما دام في السير فهو يهتدي بأنوار التوجه مفتقرا إليها لسيره بها ، فإذا وصل إلى مقام المشاهدة حصلت له أنوار المواجهة فلم يفتقر إلى شيء لأنه للّه لا لشيء دونه . فالراحلون وهم السائرون للأنوار لافتقارهم إليها وفرحهم بها ، وهؤلاء الواصلون الأنوار لهم لاستغنائهم عنها باللّه ، فهم للّه وباللّه لا لشيء دونه . ثم تلا الشيخ هذه الآية على طريق أهل الإشارة قُلِ اللَّهُ [ الأنعام : 91 ] ، بقلبك وروحك وغب عما سواه ثُمَّ ذَرْهُمْ أي الناس : أي اتركهم فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] ، أي يخوضون في السوى لاعبين في الهوى ، وقد اعترض بعض المفسرين على الصوفية استشهادهم بهذه الآية ولم يفهم مرادهم ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [ الأعراف : 160 ] . وكان الشيخ ابن عباد يقول : لا تجعلوا أهل الظاهر حجة على أهل الباطن انتهى . أي لأن أهل الباطن نظرهم دقيق وغزلهم رقيق ، لا يفهم إشارتهم غيرهم ، نفعنا اللّه بهم وخرطنا في سلكهم آمين . هذا آخر الباب الثاني ، وحاصلها آداب العرف ، وعلاماته ، فالآداب ثمانية ، والعلامات أربع : الرجوع إليه في كل شيء ، والاعتماد عليه في كل حال ، والغيبة فيه عن كل شيء ، والاستدلال به على كل شيء واتساع أرزاق العلوم وفتح مخازن الفهوم ، والوصل إلى مواجهة الأنوار والغيبة عنها بشهود الواحد القهار .