أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

84

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

والكأس معرفة الحق ، يفترق بها من ذلك الشراب الطهور المحض الصافي لمن شاء من عباده المخصوصين من خلقه ، فتارة يشهد الشارب تلك الكأس صورة ، وتارة يشهدها معنوية ، وتارة يشهدها علمية ، فالصورة حظ الأبدان والأنفس ، والمعنوية حظ القلوب والعقول ، والعلمية حظ الأرواح والأسرار ، فيا له من شراب ما أعذبه ! فطوبى لمن شرب منه ودام لم يقطع عنه ، فاسأل اللّه من فضله ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [ المائدة : 54 ] وقد يجمع جماعة من المحبين فيسقون من كأس واحد ، وقد يسقون من كؤوس كثيرة ، وقد يسقى الواحد بكأس وبكؤوس ، وقد تختلف الأشربة بعدد الكؤوس ، وقد يختلف الشرب من كأس وإن شرب منه الجم الغفير من الأحبة . وسئل رحمه اللّه عن المحبة ؟ فقال : المحبة أخذة من اللّه لقلب عبده عن كل شيء سواه ، فترى النفس مائلة لطاعته ، والعقل متحصنا بمعرفته ، والروح مأخوذة في حضرته ، والسر مغمورا في مشاهدته ، والعبد يستزيد فيزداد ، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته فيكسى حلل التقريب على بساط القربة ، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم ، فمن أجل ذلك قالوا : أولياء اللّه عرائس ، ولا يرى العرائس المجرمون ، قال له القائل : قد علمت الحب ، فما شراب الحب ، وما كأس الحب ، وما الساقي ، وما الذوق ، وما الشراب ، وما الريّ ، وما السكر ، وما الصحو ؟ قال له : أجل ، الشراب هو النور الساطع عن جبال المحبوب ، والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب ، والساقي هو المتولي للمخصوص الأكبر والصالحين من عباده ، وهو اللّه العالم بالمقادير ومصالح أحبابه ، فمن كشف له عن ذلك الجمال وحظي بشيء منه نفسا أو نفسين ثم أرخى عليه الحجاب فهو الذائق المشتاق ، ومن دام له ساعة أو ساعتين فهو الشارب حقا ، ومن تولى عليه الأمر ودام له الشرب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار اللّه المخزونة فذلك هو الري ، وربما غاب عن المحسوس والمعقول ، فلا يدري ما يقال ولا ما يقول ، فذلك هو السكر ، وقد تدور عليهم الكاسات ، وتختلف لديهم الحالات ، ويردون إلى الذكر والطاعات ، ولا يحجبون عن الصفات مع تزاحم المقدورات فذاك وقت صحوهم واتساع نظرهم ومزيد علمهم ، فهم بنجوم العلم وقمر التوحيد يهتدون في ليلهم ، وبشموس المعارف يستضيئون في نهارهم أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ المجادلة : 22 ] . وقال رحمه اللّه : من أحب اللّه وأحب للّه فقد تمت ولايته ، والمحب في الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه ، ولا مشيئة غير مشيئته ، فإذا من ثبتت ولايته من اللّه له لا يكره لقاؤه . ويعلم ذلك من قوله تعالى : إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ