أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
77
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
وقال رحمه اللّه : لا تنشر علمك ليصدقك الناس ، وانشر علمك ليصدقك اللّه وإن كان لام العلة موجودا ، فعلة تكون بينك وبين اللّه من حيث أمرك خير لك من علة تكون بينك وبين الناس من حيث نهاك ، ولعلة ترد إلى اللّه خير لك من علة تقطعك عن اللّه ، فمن أجل ذلك علقك بالثواب والعقاب ، إذ لا يرجى ولا يخاف إلا من قبل اللّه ، وكفى باللّه صادقا ومصدقا ، وكن باللّه عالما ومعلما ، وكفى باللّه هاديا ونصيرا ووليا : أي هاديا يهديك ويهدي بك ويهدي إليك ، ونصيرا ينصرك وينصر بك ولا ينصر عليك ، ووليا يوليك ويولي بك ولا يولي عليك . وقال رحمه اللّه : هذه العلوم أتراس وبيان لمواقع النفوس ، وخواطرها ومكرها وإرادتها ، وقطع للقلوب عن الملاحظة والمساكنة والمراكنة على سبيل التوحيد والشرع ، بصفاء المحبة وإخلاص الدين بالسنة ، ولهم بعد زوائد في مقامات اليقين : من الزهد والصبر والشكر والرجاء والخوف والتوكل والرضا ، وغير ذلك من مقامات اليقين ، فهذا سبيل القاصدين في طريق المعاملات للّه . وأما أهل اللّه وخاصته : فهم قوم جذبهم عن الشر وأصوله ، واستعملهم بالخير وفروعه ، وحبّب إليهم الخلوات ، وفتح إليهم سبل المناجاة ، فتعرّف إليهم فعرفوه ، وتحبّب إليهم فحبّوه ، وهداهم السبيل إليه فسلكوه ، فهم به وله ، ولا يدعهم لغيره ولا يحجبهم عنه ، بل هم محجوبون به عن غيره ، ولا يعرفون سواه ولا يحبون إلا إياه : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الزّمر : 18 ] . وقال رضي اللّه عنه : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ونوحا عليه السلام وملكا بين أيديهما فقال : لو علم نوح من قومه كما علم محمد عليه الصلاة والسلام من قومه ما دعا عليهم بقوله : لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] إلى قوله : كَفَّاراً [ نوح : 27 ] هذا موضع العلم الحقيقي الذي لا يتبدل ، ولو علم محمد عليه الصلاة والسلام من قومه ما علم نوح عليه السلام من قومه ما أمهلهم طرفة عين ، ولكن علم أن في أصلابهم من يؤمن به ويستعد للقاء ربه ؛ فقال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، فكل على علم وبينة من اللّه ، فألزم كل واحد ما ألزم من الدعاء ، ثم قال : أليس كذلك ؟ فقالا : بلى ، ثم قال : من جاهد نفسه وهواه وشيطانه وشهوته ودنياه فغلب فهو منصور ومأجور ، ومن جاهد أولئك فغلب فهو مغفور ومشكور ، ما لم يصرّ على الذنب أو يرضى بالعيب ، أو تسقط منه الخشية في الغيب ، ومن كان بإحدى الثلاث وعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ، وآمن بالقدر كله وخاف من ذنبه ، ووجل من ربه ، فالرحمة إليه أسرع من القطر إلى أرضه ، ويقول اللّه « 1 » : « أرحم
--> ( 1 ) أي في الحديث القدسي .