أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
76
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
وعلى الجملة لا يعطاها من طلبها ، ولا من تحدثه نفسه بها واستعمل نفسه في طلبها ، إنما يعطاها عبد لا يرى نفسه ولا عمله ، وهو مشغول بمحابّ اللّه ، ناظر لفضل اللّه آيس من نفسه وعمله ، وقد تظهر على من استقام في ظاهره ، وإن كانت هبات النفس في باطنه ظهرت على من عبد اللّه في اللجة في جزيرة من جزائر البحر خمسمائة سنة ، فقيل له : ادخل الجنة برحمتي ، فقال : بل بعملي . وقال رحمه اللّه : إنما هنا كرامتان جامعتان محيطتان : في الدنيا كرامة الإيمان بزيادة الإيقان ، وشهود العيان . وكرامة العمل بالاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة ، فمن أعطيهما وجعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب أو ذو خطأ في العلم والعمل بالصواب ، كمن أكرم شهود الملك والخدمة إلى عين الرضا ، وجعل يشتاق إلى سياسة الدواب وخلع الرضا ، وكل كرامة لا يصحبها الرضا من اللّه وعن اللّه فصاحبها مستدرج مغرور ، أو ناقص أو هالك مثبور . وقال رحمه اللّه : للقطب خمسة عشر كرامة ، فمن ادعى شيئا منها فليبرز بمدد الرحمة والعصمة والخلافة والإنابة ، ومدد حملة العرش العظيم ، ويكشف له عن حقيقة الذات وإحاطة الصفات ، ويكرم بكرامة الحكم ، والفصل بين الموجودين ، وانفصال الأول عن الأول ، وما انفصل عنه إلى منتهاه ، وما ثبت فيه ، وحكم ما قبل وحكم ما بعد ، وحكم من لا قبل له ولا بعد ، وعلم البداء وهو العلم المحيط بكل علم وبكل معلوم بدىء من السر الأول إلى منتهاه ثم يعود إليه . وقال رحمه اللّه : قيل لي إن أردت كرامتي فعليك بطاعتي وبالإعراض عن معصيتي ، وإن زللت بغلبة الشهوة وعظيم القدرة ، فاعلم قربي منك ونظري إليك وإحاطتي بك وقدرتي إليك ؛ واستنقذ نفسك مني ومن عظيم قدرتي ، وقل : موجود قبل كل موجود ، وهو الآن على ما هو عليه موجود ، يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن ، ضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، وضاقت علي نفسي ، ولا ملجأ منك إلا إليك فتب علي لأتوب ؛ إنك أنت التوّاب الرحيم . فصل في العلم قال رحمه اللّه : رأيت كأني واقف بين يدي اللّه عزّ وجل ، فقال : لا تأمن مكري في شيء وإن آمنتك ، فإن علمي لا يحيط به محيط ، وهكذا كانوا . وقال رضي اللّه عنه : لا تلتفت علما ولا عملا ولا مددا وكن بي ولي في ذلك أبدا .