أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
73
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فصل في الورع قال رحمه اللّه : ليس هذا الطريق بالرهبانية ، ولا بأكل الشعير والنخالة ، ولا ببقبقة الصناعة ، وإنما هو بالصبر واليقين في الهداية وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 ) [ السّجدة : 24 ، 25 ] وهذا الثغر ثغر كريم لرجل كريم فيه خمس خصال : الصبر والتقوى والورع واليقين والمعرفة . الصبر إذا أوذي ، والتقوى أن لا يؤذى ، والورع فيما يخرج وما يدخل من هاهنا وأشار إلى فيه ، وفي القلب أن لا يلج فيه غير ما يحب اللّه ورسوله ، واليقين في الرزق ، والمعرفة بالحق التي لا تزلّ معها لأحد من الخلق فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ هود : 49 ] وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 ) [ النّحل : 127 ، 128 ] . وسئل رحمه اللّه عن الورع ؟ فقال : الورع نعم الطريق لمن عجل ميراثه وأجل ثوابه ، فقد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من اللّه وعن اللّه ، والقول باللّه والعمل للّه وباللّه ، على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة ، وهم في عموم أوقاتهم وسائر أحوالم لا يدبرون ولا يختارون ، ولا يريدون ولا يتفكرون ، ولا ينظرون ولا ينطقون ، ولا يبطشون ، ولا يمشون ، ولا يتحركون إلا باللّه وللّه من حيث لا يعلمون هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر ، فهم مجموعون في عين الجمع ، لا يتفرقون فيما هو أعلى ولا فيما هو أدنى وما أدنى الأدنى ، فاللّه يوزعهم عن ذلك ثوابا لورعهم مع الحفظ لمنازلات الشرع عليهم ، ومن لم يكن لعلمه وعمله ميراث فهو محجوب بدنيا أو معروف بدعوى ، وميراثه التعزز لخلقه ، والاستكبار على مثله ، والصولة بعلمه ، والدلالة على اللّه بعلمه ، فهذا هو الخسران المبين ، والعياذ باللّه العظيم من ذلك ، والأكياس يتورعون عن هذا الورع ، ويستعيذون باللّه منه ، ومن لم يرد بعلمه وعمله افتقارا لربه وتواضعا لخلقه فهو هالك ، فسبحان من قطع كثيرا من أهل الصلاح بصلاحهم عن مصالحهم كما قطع المفسدين بفسادهم عن موجدهم فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ فصّلت : 36 ] . وقال رضي اللّه عنه : أكرم المؤمنين وإن كانوا عصاة فاسقين ، وأقم عليهم الحدود واهجرهم رحمة بهم ، لا تقزز عليهم ، ولا تقتد بمن يتورع بما تناولته أيدي المؤمنين ، ولا تتورع مما مسته أيدي الكافرين ؟ وقد علم ما نال الحجر من مس أيدي المشركين فاسود لذلك .