أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
74
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فصل في الإخلاص قال رحمه اللّه : الإخلاص نور من نور اللّه استودعه اللّه قلب عبده المؤمن فقطعه به عن غيره ، فذلك هو أصل الإخلاص ، ثم يتشعب أربع إرادات : إرادة الإخلاص في العمل على التعظيم للّه ، وإرادة الإخلاص على التعظيم لأمر اللّه ، وإرادة الإخلاص لطلب الأجر والثواب ، وإرادة الإخلاص في تصفية العمل عن الشوائب لا يراعى فيه غير ذلك ، وكل هذه الإرادات استعبدنا بها ، فمن تمسك بواحدة منها فهو مخلص درجات عند اللّه وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [ الحجرات : 18 ] وإلى ذلك الإشارة بقوله جلّ وعلا فيما يحكي عنه جبريل عليه السلام لرسوله صلى اللّه عليه وسلم « الإخلاص سر من سري ، استودعته قلب من أحببته من عبادي » . وقال رحمه اللّه : رأيت كأني أطواف بالكعبة طالبا من نفسي الإخلاص وأنا أفتش عليه في سري ، فإذا النداء عليّ كم تدندن مع من يدندن ، وأنا السميع القريب العليم الخبير ؟ وتعريفي يغنيك عن علم الأولين ، والآخرين ، ما خلا علم الرسول وعلم النبيين ، وإنما هو أربعة : إخلاص من مخلص فمخلص به لمخلص له . وهو على ضربين : إخلاص الصادقين ، وإخلاص الصديقين ، فإخلاص الصادقين لطلب الأجر والثواب ، وإخلاص الصديقين بنظر وجود الحق مقصودا به لا بشيء من عنده ، فمن استودع ذلك في قلبه فهو المستثنى على لسان عدوه بقوله : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) [ ص : 82 ، 83 ] . وقال رحمه اللّه : إن أردت السلامة من الغرور ، فأخلص العمل للّه بشرط العلم ، ولا ترض عن نفسك بشيء . فصل في اليقين قال رحمه اللّه : من علم اليقين باللّه وبما لك عند اللّه ، أن تتعاطى بين الخلق ما لا تصغر به عند الحق وإن صغرت به في أعين الخلق ، بلا اعتراض من الشرع ، ولا منازعة من الطبع ، بل من عين اليقين نسيان الخلق عند هجوم الشدائد ، وتتابع الفوائد ، بسواطع الشواهد ، بل من حق اليقين الفرق في الشيء كأنك نفس الشيء كمن اضطر إلى رؤية البحر فركبه وانكسرت سفينته فتلاطمت عليه أمواجه ، فمنهم بعد من يفنى ويذهب مع الذاهبين ، وينقل إلى درجات عليين ، ومنهم من يحيى ويبقى مع الباقين ، لا حظّ للمقتدي فيه بل هو مستور عن الخلق أجمعين ، ومنهم من يبقى