أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
60
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
وقال رحمه اللّه : إذا ثقل الذكر على لسانك ، وكثر اللغو من مقالك ، وانبسطت الجوارح في شهواتك ، واسند باب الفكرة في مصالحك ، فاعلم أن ذلك لعظيم أوزارك أو لكمون النفاق في قلبك ، وليس لك طريق إلا التوبة والصلاح والاعتصام باللّه والإخلاص في دين اللّه ، ألم تسمع إلى قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [ النّساء : 146 ] ولم يقل من المؤمنين ، فتأمل هذا الأمر إن كنت فقيها ، واللّه أعلم . فصل في المراقبة قال رحمه اللّه تعالى : ثم عليك أيها السالك بطريق الآخرة بتحصيل ما أمرت به في ظاهرك ، فإذا فعلت ذلك فاجلس على بساط المراقبة ، وخذ بالتخليص في باطنك حتى لا يبقى فيه شيء عنه نهاك ، واعط الجد حقه ، وأقلل النظر إلى ظاهرك ، إن أردت فتح باطنك لأسرار ملكوت ربك مما ورد عليك من خطرات تصدك عن مرادك فاعلم أولا قرب ربك منك علما يباشر قلبك بتكرار النظر في جلب منافعك ودفع مضارك ، وانظر هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ فاطر : 3 ] فإن من الأرض نفسك ، ومن السماء قلبك ، فإذا نزل من السماء إلى الأرض شيء فمن الذي يصرفه عنك غير اللّه يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] فأعط المعية حقها بلزوم العبودية له في أحكامه ، ودع عنك منازعة الربوبية في أفعاله ، فإن من ينازعه يغلب وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) [ الأنعام : 18 ] نعم الحق ما أقول لك : ما من نفس من أنفاسك إلا واللّه متوليه مستسلما كنت أو منازعا ؛ لأنك تريد الاستسلام في وقت وتأبى إلا النزاع ، وتريد النزاع في وقت وتأبى إلا الاستسلام ، فدل ذلك على ربوبيته في جميع أفعاله ، ولا سيما عند من اشتغل بمراعاة قلبه لتحصيل حقائقه . فإذا كان الأمر بهذا الوصف فأعط الأدب حقه فيما يرد عليك ، بأن لا تشهد لشيء منك أولية إلا بأوليته ، ولا آخرية إلا بآخريته ، ولا ظاهرية إلا بظاهريته ، ولا باطنية إلا بباطنيته ، فإذا انتهيت لأولية الأول نظرت لما يؤول فيما توله ، فإن صدر عليك خاطر من محبوب يوافق النفس أو مكروه يلائمها مما لم يحرمه الشرع ، فانظر لما يخلقه اللّه فيك بأثر ما يخطر ببالك ، فإن وجدت تنبيها على اللّه تعالى فعليك بالتحقيق به ، فذلك أدب الوقت عليك ، ولا ترجع إلى غير ذلك ، فإن لم تجد السبيل