أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
61
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
إلى التحقيق به فعرش بين يديه فهو أدب الوقت عليك ، ومهما رجعت إلى غيره فقد أخطأت سبيلك ، فإن لم يكن ذلك منك فعليك بالتوكل والرضا والتسليم ، فإن لم تجد السبيل إليه فعليك بالدعاء في جلب المنافع ودفع المضار بشرط الاستسلام والتفويض ، وأحذرك من الاختيار فإنه شر عند ذوي الأبصار ، فإذا هي أربعة آداب : أدب التحقيق ، وأدب التعريش ، وأدب التوكل ، وأدب الدعاء ، فمن تحقق به حفظ منه ، ومن عرش عنده كفى من غيره بربه ، ومن توكل عليه كفى من اختيار نفسه باختيار ربه ، ومن دعاه بشرط الإقبال والمحبة أجابه إن شاء فيما يصلح له ، أو منعه إن شاء ما لا يصلح له ، ولكل أدب بساط . البساط الأول بساط التحقيق : إذا ورد عليك خاطر من غيره وكشف لك عن صفاته فكن هنالك بسرك وحرم عليك أن تشهد غيره . البساط الثاني بساط التعريش : إذا ورد عليك خاطر من غيره وكشف لك من أفعاله فعرش هناك بسرك ، وحرام عليك أن تشهد غير صفاته شاهدا ومشهودا ، وفي الأول فناء الشاهد ونفي المشهود . البساط الثالث بساط التوكل : فإذا ورد عليك خاطر من غيره أعني ما تقدم ذكره محبوب أو مكروه وكشف لك عن عيوبه جلست عن بساط محبته متوكلا عليه راضيا بما يبدو لك من آثار فعله في أنوار حجبه . البساط الرابع بساط الدعاء : فإذا ورد عليك خاطر من غيره وكشف لك عن فقرك إليه فقد دلك على غناه ، واتخذ الفقر بساطا ، واحذر أن تنزل عن هذه الدرجة إلى غيرها فتقع في مكر اللّه من حيث لا تعلم ، وأقلّ ما يكون منك إذا نزلت عنها أن ترجع إلى نفسك مدبرا لها ومختارا فأشرف لك ولا حال لك أن تحملها على الجد والاجتهاد إما في ظاهرك وإما في باطنك ، طمعا أن تدفع عنها ما أراد اللّه أن يدفعه عنك ، فكيف إذا نازعته فيما لا يريد دفعه عنك ، وأقل ما في هذا الباب دعاوى الشرك بأنك قد غلبت وما غلبت ، فإن كنت غالبا فكن حيث شئت ، ولن تكون حيث شئت أبدا ، فدلّ اجتهادك على عظيم جهلك بأفعال اللّه ، وما أقبح عابدا جاهلا أو عالما فاسقا ، فما أدري بأيّ الوصفين أصفك ، أبالجهل أم بالفسق ، أم بهما جميعا ؟ نعوذ باللّه من تعطيل النفس عن المجاهدات ، ومن خلو القلب عن المشاهدات ، إذ التعطيل ينفي الشرع ؛ والخلو ينفي التوحيد ، وحاكم الشرع قد جاء بهما جميعا ، فادرج عن منازعة ربك تكن موحدا ، واعمل بأركان الشرع تكن سنيا ، واجمع بينهما