أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
51
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
العلوم ، فيكثر من ذلك . قال في شرح المباحث : حتى سلك قوم بالمنطق ، وقوم بالطبيعيات ، وقوم بالحكمة ، وقوم بالفقه ، وقوم بالحديث ، وهما أقرب إذ هما أحد أركان الطريق المحررة ، ومن الناس من يخرج عن ذلك كله فيراعى لكل أحد ما تقتضيه قواه الطبيعية بعد قواه الحقيقية ، لأن من سار إلى اللّه بطبعه كان وصوله إليه أقرب من طبعه ومن سار إليه بمفارقة طبعه كان وصوله إليه على قدر بعده عن طبعه وذلك يقتضي الاستهلاك قبل الوصول ، فلا يتنعم برؤية الحق إلا في آخر نفس من وجوده إن وجدها وإلا فهو بعيد بدعواه ، ومحجوب برؤية نفسه ، فلذلك قال لنا الشيخ أبو العباس الحضرمي رضي اللّه عنه عن بعض العارفات من أهل بلاده إنها كانت تقول : العجم بنوا مذاهبهم على التجريد ، فلا يصلون إلى الحق إلا في آخر رمق ، والمغاربة بنوا طريقتهم على الاستهلاك ، فلا يتنعمون بالحق في هذه الدار أبدا ، وأهل اليمن بنوا طريقتهم على رؤية الحق والفناء فيه بأول قدم ، وهم يتنعمون من أول قدم ، وعلى هذا أيضا طريق الشاذلية فحق قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الإيمان يماني والحكمة يمانية « 1 » ، وإني لأجد نفس الرحمن من ناحية اليمن » « 2 » الحديث . وذكر الطريق واختلافها طويل ، وإنما المراد التنبيه على طريق الشاذلية وشرفها وقربها وسهولتها ، وفيما ذكرناه كفاية . فلنذكر كلام الأستاذ أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه في الطريق ، ومن كلام أتباعه السادة الشاذلية ما يستدل به على طريقته ، فأقول وباللّه التوفيق : قال الأستاذ تاج الدين أحمد بن عطاء اللّه السكندري رضي اللّه عنه في لطائف المنن : كان مبنى طريقة الشيخ رضي اللّه عنه على الجمع على اللّه وعدم التفرقة وملازمة الخلوة والذكر ، وكان لكل مريد معه سبيل يحمله عليه فيسلك بكل أحد من السبيل الذي يناسبه ، وكان يأمر أصحابه بالجمع على محبته ، وكان لا يأمر أحدا بترك حرفته أو تجارته ، بل يعرفه الطريق وهو باق على حالته . وكان يكره كل لبس ينادي على سر صاحبه بالإفشاء ، وكان يقول عن شيخه : اصحبوني ولا أمنعكم أن تصحبوا
--> ( 1 ) هذا القسم من الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه ، حديث رقم ( 19888 ) [ ج 11 ص 52 ] ورواه ابن الضحاك الشيباني في الآحاد والمثاني ، ذكر قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : الحكمة يمانية . . . ، حديث رقم ( 2273 ) [ ج 4 ص 262 ] ورواه غيرهما بلفظ : « الفقه يمان والحكمة يمانية » . ( 2 ) هذا القسم من الحديث وهو « إني لأجد نفس الرحمن من ناحية اليمن أو من قبل اليمن أو من جانب اليمن » . أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 659 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .