أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
52
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
غيري ، فإن وجدتم منهلا أعذب من هذا المنهل فردوا ، وكان لا يحب المريد الذي لا سبب له ، والسادة الشاذلية رضي اللّه عنهم أشد المشايخ حثا على عمل الحرفة ، حتى كان الشيخ أبو العباس المرسي يقول : عليكم بالسبب ، وليجعل أحدكم مكوكه سبحته أو تحريك أصابعه في الخياطة سبحته أو الضفر ا ه . وقال الأستاذ البكري أبو الحسن رضي اللّه عنه : طريق القصد إلى اللّه تعالى أربعة أشياء من حازها فهو من الصديقين المحققين ، ومن حاز منها ثلاثا فهو من الأولياء المقربين ، ومن حاز منها اثنين فهو من الشهداء الموقنين ، ومن حاز واحدا منها فهو من عباد اللّه الصالحين : أولهما الذكر وبساطه العمل الصالح ، وثمرته الفوز . الثاني التفكر وبساطه الصبر ، وثمرته العلم . الثالث الفقر وبساطه الشكر ، وثمرته المزيد منه . الرابع الحب وبساطه بغض الدنيا وأهلها ، وثمرته الوصل بالمحبوب . فصل في العزلة قال رضي اللّه عنه : اعلم أيّدك اللّه أنك إذا أردت الوصول إلى اللّه فاستعن باللّه واجلس على بساط الصدق ، مشاهدا ذاكرا له بالحق رابطا قلبك بالعبودية المحضة على سبيل المعرفة ، ولازم الذكر والمراقبة والتوبة والاستغفار ، فأنا أشرح لك هذه الجملة ، لئلا يقع الغلط فيها على سبيل الوصلة ، وهي أن تقول اللّه اللّه مثلا ، أو ما شاء اللّه من الذكر مراقبا لقولك بالتقوى بترك الدفع عن نفسك والجلب لها ، وتجد ذلك في آيتين من كتاب اللّه تعالى قوله : أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ [ الملك : 20 ] الآية . فهذه من الدفع وفي الجلب أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ [ الملك : 21 ] . ووصف الذكر أن تذكر بلسانك وتراقب بقلبك ؛ فما ورد عليك من خير من اللّه قبلته ، وما ورد عليك من ضده كرهته راجعا إلى اللّه في الدفع والجلب كما وصفت لك ، وأحذرك أن تدفع أو تجلب لنفسك شيئا إلا باللّه تعالى ، فإن خامر سرك شيء من ذنب أو عيب أو نظر إلى عمل صالح أو حال جميل فبادر إلى التوبة والاستغفار من الجميع ، أما من الذنب والعيب فواجب شرعا ، وأما من النظر إلى العمل الصالح والحالة الجميلة فلعلة فاعتبر باستغفار النبي صلى اللّه عليه وسلم تسليما بعد البشارة واليقين بمغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، هذا من لم يقترف ذنبا قط ، وما ظنك بمن لا يخلو عن ذنب أو عيب من وقت من الأوقات . وأما الجلوس على بساط الصدق فتحقق أوصافك ، من الفقر والضعف والعجز والذلة اجلس عليها ناظرا