أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

47

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

والجلا كانت قديمة حتى أنها كانت في غير زمن الشريعة ، لأنها إنما هي صقل لمرآة النفس من غير زائد ، وهي أيضا باقية ما بقي الزمان لا ترتفع ، لكنها تارة تجري بالاصطلاح من الخلوات والترتيبات ونحوها ، وتارة بحفظ الأصول فقط ، وتارة بحفظ الحرمة ليس إلا ، وتارة بعلو الهمّة وقوة العزم والحزم ، وتارة بمجرد التلقي والإلقاء ، وهذه الأمور لا تزول أبد الآبدين ، غير أن الاصطلاح قد انقرض في هذه الأزمنة وارتفع إنتاجه حسبما دلت عليه العلامات وشهد به الاستقراء . قال بعض مشايخنا رضي اللّه عنه : ارتفعت التربية بالاصطلاح في سنة أربع وعشرين وثمانمائة ، ولم يبق غير الإفادة بالهمة والحال ، فعليكم باتباع السنة من غير زيادة ولا نقصان ، يعني الجادة مع التزام الصدق ، وباللّه التوفيق . وأما الفريق الثاني أهل طريقة البحث والاشتغال بالعلوم ، فإنهم قالوا إن اكتساب العلم من خارج أرقى وأشركوا العلوم في اصطلاح طريقتهم ولا غناء للباب عن مفتاحه ، وعالجوا النفس بطريق العلم والعمل ؛ وذلك لأن ما فيها من الأنوار يتعاضد بما يرد عليه من خارج فينتفي ما عرض من الظلمة أصلا وفرعا بقوته ، وهذه الطريقة أتم في تحصيل الكمال ، لأن الأولى غايتها الوصول لما في النفس من الكمال دون زائد ، بخلاف هذه فإنها تحصيل المكتسب مع ما اتصل إليه من المدخر ، وهذا معنى كونها أرفع . وقالت هذه الطائفة : إن العلم مفتاح الفتح لقوله عليه الصلاة والسلام : « العلم إمام العمل والعمل تابعه » « 1 » وقال عليه الصلاة والسلام : « إنما العلم بالتعلم ، وإنما الحلم بالتحلم ، ومن يطلب الخير يؤته ، ومن يتق الشر يوقه ، ومن عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم » « 2 » . والعلوم التي يحتاج إليها أربعة : علم الذات والصفات ، وعلم الفقه ، وعلم التفسير والحديث ، وعلم الحالات والمنازلات وما يجري فيها من الآداب والمعاملات . فأما علم الذات والصفات يعني علم التوحيد ، وطريق أخذه أن يحقق ترجمة عقيدة مهذبة كعقيدة الإمام أبي حامد الغزالي ، ويأخذ براهينها بأي وجه أمكنه دون تعرض للشبه والإشكالات مع تشوق لمواد ذلك من الكتاب والسنة وشواهد الوجود ودلائل الصنع وغيره ، ويجعل ذلك نصب عينيه حتى تنصبغ حقيقته به انصباغا يقتضي

--> ( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . وهو من كلام الصوفية وليس بحديث .