أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
48
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
له ثبوت اليقين بوجه يجد لذته ، فإذا حصل له ذلك استمرت النفس في الجولان في معانيه إلى حد ما قسم لها من غير توقف وسار بذلك سيرا مباركا يعرفه عند توجهه فلا حاجة إلى وضعه . وأما علم الفقه فطريقه فيه أن يأخذ مسلما عن أئمته المعتبرين فيه في وقته طالبا صوره من غير زائد حتى يتصور جملة الأبواب وعقدها من غير زائد ، لأن الزيادة في المبادئ مشقة للذهن ، حتى إذا عرف ذلك تشوف للوجوه والنظائر بوجه خفيف ثم للتعاليل والحكم ؛ ومن هنا يعرف مواد الوجود ووجوهه وتصرف الحق فيه تكليفا وتعريفا لأن أحدهما مرتب على الآخر ، فيطلع في أفق القلب طالع التعظيم والإجلال لمن هو أهل له ، بأن يجعل القلب في ذلك لا فيما لا يعني ، ولا يقتصر على متعلقات المسائل فقط ، فإنها مع ذلك مشقة لا سيما لمن لا همة له فافهم . وأما علم الحديث يعني فقهه لا صورة الأداء وكيفيته ويستدعي ذلك العلم بالتفسير وهما اللذان تظهر بهما حقائق الأنوار مع العلمين الأولين ، لكن لمن اتسع نظره إلى حد يفقه به موارد الحكم والحكمة ، ولا يخرج عن مقاصد الأئمة ، بل يرجع إليهم ، لا لمن يتقيد بالمنقول ، ولا يتصرف بالمعقول ، أو يستخف بالمنقول ، ولكن كما قيل : قف حيث وقفوا ثم فسروا ، من أخذ علم حاله عن نصوص الأئمة كان نوره وفتحه منهم ، ومن أخذ من نصوص الكتاب والسنة كان كذلك إن كان محققا وإلا فالحديث لغير العالم مزلة ، ومن فاته الاقتداء فاته الاهتداء ، ولذلك لا تجد إماما يهمل أقوال السلف بل يتبع آثارهم ، ومن خالط الكتاب والسنة وفقههما عرف ما قلناه ، وهذا الحرف هو الذي نبّه عليه سيدي أبو عبد اللّه بن عباد في رسائله عند ذكر البدعة والتقليد ، فانظره ، وباللّه التوفيق . وأما علم الأحوال والمنازلات وما يجري فيهما من آداب ومعاملات ، وذلك هو الذي اختص به أهل هذا الشأن ، وللناس فيه طريقان : طريق رؤية الحق من أول قدم ، والعمل على ذلك بالانحياش إليه ، وهو طريق الشاذلية ومن نحا نحوهم . وطريق رؤية النفس واطلاع الحق عليها والعمل على ذلك وهي طريق الغزالي ومن جرى مجراه ، وكل منهما مستند للحديث « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » وهذا للأولين أي الشاذلية « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » وهذا للآخرين فافهم . وهذه الطريقة أي طريقة الاشتغال
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم . . . ، حديث رقم ( 50 ) . ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان . . . ، حديث رقم [ 5 - ( 9 ) ] .