حسن بن موسى القادري

95

شرح حكم الشيخ الأكبر

لأن القلب الواحد يكفيه محبّا واحدا ، ولا ينبغي أن تجعل القلب الواحد مائة جزء ، وترسل كلّ جزء منها لطلب مقصد ، والتفرقة ليست إلا هذا ، أو الجمعية أن يشتغل الواحد بالواحد ويعرض عن الكل ، وظن بعض أن جمعية القلب في جميع الأسباب فبقوا في التفرقة أبد الآباد ، وكل من كان في التفرقة والوسواس فهو عند أهل الجمع من أشر الناس ، بل ليس بناس إنما هو نسناس ، فالسالك يجب عليه أن يخرج من التفرقة ، ولا يسلك إلا طريق الوصول إلى ربّ الأرباب . 12 - المريد هو الذي سار بنفسه إليه ، والمراد هو الذي سير به رغما عليه . والسالك باعتبار الكمال والنقصان على قسمين مريد ناقص ، ومراد كامل ، فأشار الشيخ إلى بيانهما وعرّفهما فقال : ( المريد هو الذي سار بنفسه إليه ) أي : الذي ثبتت له الإرادة وهي لوعة في القلب أي : حرقة فيه وألم من حبّ أو همّ أي : مرض في اصطلاح هذه الطائفة ، هو السالك الذي سار إلى اللّه باللّه بنفسه ، ولكن تجرد عن إرادته على ما هو مذهب الشيخ ، أو صحت له الأسماء فدخل في المنقطعين إلى اللّه بها على ما هو مذهب غيره ، ويقال لهذا : سالك ، ولما يأتي المجذوب وكل من مشى على المقامات بالحال لا بالعلم فهو سالك ، فكل منهما سالك إلا إن المريد سالك مجذوب ، والمراد مجذوب سالك كما قال الشيخ قدّس سره : ( والمراد هو الذي سير به رغما عليه ) أي : والمراد عند هذه الطائفة هو السالك الذي جذب ابتداء وإلا فالمريد يجذب أيضا لكن انتهاء . وبهذا يفرق بينهما كما يفرق بأن المريد لربّه ، والمراد بربّه وأنه مترقي وهذا متدلي ويتفقان في معنى التحقق ؛ لأنه يكون لكلّ منهما ما لصاحبه ، لكن البساط مختلف الأول صاعد ، والثاني نازل والعلم واحد والمشاهدة واحدة ، فهما يشهدان أن الصفات في منزل واحد ، لكن هذا في تدليه وذاك في ترقيه ، ومعنى الجذب أخذ العبد إلى حضرة الحق من غير ترتيب وتدريج وقال الشيخ رضي اللّه عنه : ( هو خلع إرادة العبد مع تهيؤ المراد له ) ، وهو المراد من قوله : ( سير به ) أي : اللّه ، فسيره باللّه لا بنفسه أي : الحق تعالى سار به كرها عليه وقسرا ، فجاوز الرسوم والمقامات من غير المجاهدات والرياضات والمكابدات بخلاف الأول ، فإنه جاوز المقامات بالمكابدات وغيرها فافهم . هذه إذا كان المريد واصلا ؛ إذ الوصول لا يكون إلا بالجذبة التي توازي عمل الثقلين ،