حسن بن موسى القادري

89

شرح حكم الشيخ الأكبر

عدله ، فحينئذ الموجودات بفيض الحق لا بذات الحق فلا يلزم التوافق إلا من جهة أن الكل حاصل بالفيض ، وحقا لا تفاوت بين الأشباح ، كما لا تفاوت بين الأرواح مع أنه لا نسلم أن الأرواح غير متفاوتة ؛ لأن أرواح الكافرين غير أرواح المؤمنين ، وأرواح المؤمنين غير أرواح الكاملين من الأولياء والأنبياء والمرسلين ، وبهذا يبطل كثير من قواعد القوم من أن الكل منه وبه وإليه وأن العين واحدة والتعدد والكثرة إنما هي من النسب والإضافات ، فالجواب هو أن يقال : الفيض الحاصل به الموجودات لا يخلوا إمّا أن يكون موجودا حقيقيا أو أمرا اعتباريا ، فعلى الأول لا يجوزان موجودا بذاته وإلا يكون واجبا ، بل لا بد من فيض آخر يوجده ، وهكذا يتسلل إلى أن ينتهي إلى ذات واجب الوجود ، وحقا يلزم الاعتراف بمدعاهم ، فكل موجود بذاته ومنه وإليه لا غير ، وبهذا الاعتبار لا تفاوت في الموجودات ، وعلى الثاني أيضا لا بد من ذات واجب الوجود ؛ لأن اجتماع هذا الأمر العدمي وانضمامه وهو الفيض إلى الأمر الآخر العدمي الاعتباري أيضا لا يعقل بدون قيام هذين الأمرين ، أو واحد منهما بأمر موجود حقيقي وهو الحق تعالى . وفي الحقيقة الفيض « 1 » : هو عين المفيض ، لكن باعتبار نسبة العموم ، والانبساط على

--> ( 1 ) وهذا الفيض المذكور عبّر عنه الحكماء بالجعل البسيط الذي جعل الماهيات مجعولة : أي كانت عن فاعل لأسماء ليست واجبة الوجود ، فلا بدّ لها من فاعل ، وإنما كان هذا الجعل بسيطا لأنه لم يعتبر فيه سوى صدور هذه الأعيان عنه ، لا أنه جعلها موجودة في الخارج كما هو شأن الجعل المركب حيث كان بعد هذا الجعل ، فإن جعل الماهية سابق على جعلها موجودة ، فمن هذا علم أن الخلاف في كون الماهيات مجعولة أو غير مجعولة راجع إلى اللفظ ، فهي مجعولة بالجعل البسيط غير مجعولة بالجعل المركب ، وهذه الأعيان مع استعداداتها صدرت عن الواجب تعالى بمحض الجود لأسماء صور أسمائه تعالى ، فأسماؤه اقتضتها ، وأسماؤه عين ذاته ، فكان ما ذكر من مقتضى الذات في الجملة ، فلم يكن للواجب تعالى اختيار فيها ، وإذا كان الأمر كما ذكر فلا يتصور سؤال حقيقة من الحقائق أن تكون على خلاف ما هي عليه ؛ لعدم دخل الاختيار كما ذكرنا ، مثلا لو قال الكافر : لم أوجدتني كافرا ، ولم توجدني مؤمنا ؟ فيقول تعالى : استعدادك سأل ذلك ، فيقول : أنت جعلت هذا الاستعداد لي ، فيقول تعالى : كان ذلك من مقتضى ذاتي بواسطة أسمائي ، والأمور الكائنة بمقتضى الذات لا يسأل عنها ، فإنه لا يقال : لما كان الإنسان متكلما حتى يصدر عنه الذّكر مثلا ، فلله الحجة البالغة . وهذا العلم الحاصل من صور الأسماء ليس تابعا للمعلوم ؛ لأنه كان من التجلّي الذاتي ، وبالفيض الأقدس عن حكم حاكم ، وسمّي علما فعليّا كاختراع القوة العاقلة صورة لم يكن لها نظير ، فهو علم -