حسن بن موسى القادري
467
شرح حكم الشيخ الأكبر
دوام العبادة بشرط الخوف والرجاء في اللّه تعالى ، فالاستقامة على هذا رتبة رابعة وهو الإحسان المعبر به عن الحقيقة وفوق المرتبة الرابعة باعتبار ، والثالثة باعتبار مرتبة الشهادة والصديقة والقربة ، والكل داخل تحت الحقيقة ، فالحاصل أن الإسلام منفرد أول ليس معه سوى أصوله ، والإيمان إسلام مع شيء آخر وهو دوام العبادة ، والإحسان إسلام وإيمان وصلاح مع شيء آخر وهو الاستقامة فيكون في الأخير ، كما أن مرتبة الشهادة فوق الإحسان ، والصديقة فوق الشهادة ، والقربة فوق الصداقة ، فامتازت الشهادة عن مجموع الإسلام والإيمان والصلاح ، والإحسان بالإرادة ، والصديقة عنهما بالمعرفة ، والقربة بالولاية الكبرى ، وتفصيل هذه المراتب مذكور في الإنسان الكامل للشيخ الجيلي قدس سره فارجع إليه . 14 - الشريعة عبادة ، والطريقة إفادة ، والحقيقة مرادة . ومنها ما في قوله قدس سره : ( الشريعة عبادة ) ، وأعمال ظاهرة متعلقة بكمال ذات العبد من حيث ترتبه منها ، والمراد بالأعمال هنا حركات النفس ، فيشمل الفعل والترك ، والقول مثال الفعل كالصلاة وأداء الزكاة ، ومثال الترك نحو ترك الآثام فعلا وقولا ، ومثال القول كالشهادتين والقرآن والدعاء والأذكار لا أن المراد بها حركات البدن فإنها لا تشمل الترك ، و ( الطريقة إفادة ) من قولك : أفدت المال استفدته وأعطيته من باب الأضداد ، والمراد هنا المعنى الأول ، فالإفادة بمعنى الاستفادة أي : أخذ الفائدة أو طلبها وتحصيلها ، والفائدة ما حصتله من علم أو مال ، والمراد الأول ؛ لأن فائدة العبادة العلم دون المال ؛ لأنها هي العلم ، والعلم ورد في الحديث « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم « 1 » » ، و ( الحقيقة مرادة ) من العبادة والإفادة إذا المقصود منهما معرفة الأمور على ما هي عليه لا غير ، فصاحب الشريعة صاحب عبادة ومجاهدة لنفسه قال اللّه تعالى : وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ [ العنكبوت : 6 ] ، فهو في الشرك الخفي ، وصاحب الطريقة صاحب عبودية ومكابدة باطنة نحو الاعتقادات ، وصاحب الحقيقة صاحب عبودة ومشاهدة ، فالكل عابد للّه إلا أن الأول عابد له في بعض الأحوال ، والثاني عابد له تعالى في كل حال كما أنه ربه في كلّ حال ، والثالث عابد مشاهد لربه في الغدوة والأصال ، والأول أجير ربه في كل حال ، والثاني مريد ، والثالث مراد .
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في الدرر المنثور ( 2 / 123 ) .