حسن بن موسى القادري

390

شرح حكم الشيخ الأكبر

سعيد بالنسبة إلى ربه شقي بالنسبة إلى الآخر فهذا القسم سعادة بالنسبة إلى ربه ، والقسم الثاني سعادة بالنسبة والنظر إلى نفس العبد وهو كونه على حالة يتنعم ويتلذذ بها وفي مقابلها شقاوة وبهما حكمت الشرعية الحقة لا بالأولى ، وبهذا الاعتبار ينقسم المربوب إلى سعيد وشقي ، وبالاعتبار الأول فحكم على كلّ مربوب بالسعادة ، ومن هنا يعلم صحة إضافة المذموم إلى اللّه تعالى ؛ لأن الإضافة إليه تعالى أكسير ينقلب به النقصان كمالا والمذمة محمدمة ؛ لأن كل موجود صورة حقيقة مخصوصة ومظهر اسم خاص كما مرّ فأثار الاسم الظاهر فيه محمدة وكمال له وإن كان بالنسبة إلى ما لا يلائمه مذمة ونقصان وعدم ظهور تلك الآثار مذموم وخللها نقصان ، فالهداية للأنبياء والكمّل ، والإضلال للشياطين كل منهما كمال نسبي أي : بالنسبة لما خلق له لا بالنسبة لما يقابله أو يضاده ، فمنشأ المذمة خصوصية المحل المقتضية لعدم الملائمة فاللّه تعالى لعدم خصوصية الاقتضاء واستغنائه الذاتي عن الكل ، واقتضائه الكل بحسب شروطه الذاتية يكون كل بالنسبة إليه في محله مقتضى حكمته وآية كماله ودليل قدرته وفضيلة حيطته مع فرط نزاهة جلاله وغاية كماله ، فلا يتصور فيه عدم الملائمة المقتضية لخصوصية المحل فلا يتطرق إليه مذمة ، فهو صاحب كمال الحيطة واستيعاب الوجوه المتعددة الغير المتناهية فلا شيء إلا وله وجه إلى اللّه تعالى وله وجه إلى غيره أيضا . 150 - لكلّ شيء من الأشياء وجهان : وجه إلى ربّه بالبقاء ، ووجه إلى نفسه بالحدثان . كما أشار الشيخ قدّس سرّه إليه بقوله : ( لكلّ شيء من الأشياء وجهان : وجه إلى ربّه بالبقاء ، ووجه إلى نفسه بالحدثان ) أي : لكلّ ممكن من الممكنات معقولا أو محسوسا وجهان أحدهما إلى نفسه والآخر إلى ربه ، وأمّا الوجه الذي إلى ربه فهو بالبقاء ؛ لأن البقاء حقيّة ومن صفة الحقّ ، وللممكنات حظ فيها ، وأمّا الوجه الذي إلى نفسه فهو بالحدثان : أي حادثة فمن حيث البدن حادث ، ومن حيث الروح باق ، فكل شيء من حيث البدن حادث وهالك ، ومن حيث الروح باق وثابت ، قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ [ القصص : 88 ] ، وقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] باعتبار الصورة دون الروح ، بل في الحقيقة الموت عبارة عن افتراق الصورة التي هي الجوهر الكثيف عن الروح التي هي الجوهر اللطيف ، فإن في كلّ شيء اقتضاء ما يناسب غيره وما ينافيه ، لكن قد