حسن بن موسى القادري
389
شرح حكم الشيخ الأكبر
والمراد بها جميع ما عين اللّه وأوجبه في شأنه ، فكل شيء إمّا خلق بيده تعالى ، أو بأمره فلا يجوز لأحد أن يتولاه بنفسه ، وإن كان هو من نفسه فما هو من العبد ففيه التعدّي من الحدّ ، فالواجب على العبد أن يعطي التولية إلى الرب ، فإنه الخالق لكلّ شيء حتى للتولية فما للعبد أمنية ، فكيف يتولى ؟ ! وهو تعالى ما خلق شيئا عبثا ، ولا يتولى ولو تولى على ما هو الدعوى فهو ظالم فمال حاكم فيفعل ما يشاء ، ويفعل به ما لم يشاء ، ولو يخرج عن مشيئته لا يكون له شيئا إلا بمشيئته ؛ لأنه يكون في رضاء ربه حيث مشى مع مشيئته ، ومخالفة هواه ونفسه التي بها النيل إلى غاية رضاه . 149 - لا ينال غاية رضاه ، إلا من خالف نفسه وهواه . كما قال الشيخ قدّس سرّه : ( لا ينال غاية رضاه إلا من خالف نفسه وهواه ) أي : يمتنع ولا يجوز أن يصل أحد من الطالبين غاية رضاء الحق تعالى ونهايته إلا الطالب الذي خالف نفسه وهواه المنازعين له في ملكه فيما هو مقتضيهما باعتبار النشأة المجبولين عليها لا في كل ما يطلبان ويقتضيان من غير النشأة الأصلية ، فلا يلزم جواز مخالفتهما في الواجبات والمندوبات حتى المباحات ، كما وقع لبعض السالكين ترك شيء من المذكورات بظن أنه من المخالفات لحصر نظره في ظاهر العبارات ، وأمّا المخالف لهما فلا يمتنع عليه الوصول إلى غاية الرضا وصل أو لم يصل فلا يتعين له الوصول ؛ لأنه موقوف على الاستعداد أو القبول فاعرف هذا ، والمراد بالرضا رضاء الذات دون رضاء الأسماء والصفات ، وإلا فكل مربوب مرضي عند الاسم الرب الذي هو يربيه ؛ لأنه مجبور داخل تحت قهره وأمره وعامل موافق لمقتضاه ألا ترى قوله تعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] . فهو على الصراط الرب المستقيم لكن لا يخفى حكم السعادة الشرعية ، وحاصل ما قلنا : إن السعادة على قسمين قسم منهما كون العبد بحيث يتأتى منه ما خلق له ويظهر فيه حكم ربه الذي يربيه على وجه يرضى له ، وكل موجود مرضي وسعيد بهذا المعنى ولا يتصور فيه الشقاوة إلا بالنسبة إلى ربّ مربوب آخر الذي لم يكن لهذا الموجود صلاحية مظهريته لأحكامه كالشيطان فإنه مرضي عند الاسم المضل لا عند الاسم الهادي ، وكذلك عبد الهادي مرضي وسعيد عنده لا عند الاسم المضل فكل من عبد الهادي ، وعبد المضل