حسن بن موسى القادري

355

شرح حكم الشيخ الأكبر

--> - الفروق وأجلاها ، فعلم أنه ليس المراد بالصورة المخلوق عليها آدم أنها ذات سبع ( 1 ) فقط ؛ لأن الحيوان كذلك له ذات ، وهو حيّ عالم مريد قادر متكلم سميع بصير ، ولو كان المراد ذلك لكان يبطل وجه الخصوصية للإنسان ، فإن هذه الصفة إنما جاءت له على جهة التشريف له . فإن قيل : فما هذا التغيير الواقع للإنسان في نفسه وصورة الحق تعالى لا تقبل التغيير ؟ قلنا : اللّه تعالى يقول : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [ الرحمن : 31 ] ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « فرغ ربّك من ثلاث » . وفي حديث التجلي الأخروي يتجلى لهم الرب في أدنى صورة ، ثم يتحوّل عند إنكارهم إلى الصورة التي عرفوه فيها بالعلامة . فهو تعالى هو الذي أضاف إلى نفسه هذا المقام ، وهو عريّ عن مقام التغيير بذاته والتبديل ، ولكن التجلي في المظاهر الإلهية على قدر العقائد التي تحدث للمخلوقات مع الأنات ، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا وكذلك هو ارتفع الاعتراض الوهميّ ، تعالى اللّه عن ذلك . وقد قررنا غير ما مرة أنه ينبغي للإنسان أن يعلم ميزانه من الحضرة الإلهية ، فإن الجود الإلهي قد أدخله في الميزان ، فيوازن العبد بصورته حضرة موجده ذاتا وصفة وفعلا ، ثم لا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين ، فإن الذي يوزن به الذهب أو المسك هو صبخة حديد ، فليس يشبه في ذاته ولا صفته ولا عدده ، فلا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة الإنسانية بجميع ما تحتوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده ، وأظهرت آثارها فيه ، وكما لم تكن صبخة الحديد توازن الذهب في حدّ ولا في حقيقة ولا صورة ولا عين كذلك العبد وإن خلقه اللّه تعالى على صورته فلا يجتمع معه في حدّ ولا حقيقة ؛ إذ لا حدّ لذاته تعالى ، والإنسان محدود بحدّ ذاتيّ ، لا رسميّ ، ولا لفظيّ . فالإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته ، فإذا وقفت يا أخي على هذا الميزان زال عنك ما تتوهمه في الصورة من المشاركة للحق في الحقيقة ؛ فإن اللّه تعالى هو الخالق ، وأنت العبد المخلوق ، وكيف للصنعة أن تعلم صانعها ! إنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته ، وأنت صنعة خالقك ، فصورتك مطابقة لصورة علمه بك ، هكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حدّ واحد وحقيقة واحدة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها ، والأمر كذلك على خلاف ذلك . فاعلم بأيّ ميزان تزن نفسك ، فإنك صبخة حديد يوزن بها ما لا ثمن له ، وإن اجتمعت مع الموزون في المقدار فما اجتمعت معه في القدر ولا في الذات ، تعالى اللّه عن ذلك ، وإنما قال فيما تقدّم : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، ولم يقل : ( فقد عرف ذات ربه ) ؛ لأن الذات لها الغنى على الإطلاق ، وأنّى للمقيّد معرفة المطلق الذي هو اللّه ، بخلاف الاسم الرب ؟ ! فإنه يطلب المربوب بلا شكّ ، ففيه رائحة التقييد ، ولذلك أمر اللّه تعالى العبد أن يعلم : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ [ الأنعام : 19 ] ؛ لأن الإله يطلب المألوه ، بخلاف اسم الذات الخصيص ، فإنه غنيّ عن الإضافة . -