حسن بن موسى القادري
354
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - واعلم أننا لو أردنا أن نعرف مسترشدا سألنا : كيف يخلق اللّه الأشياء ؟ وكيف يعلمها ؟ وكيف يريدها ؟ وكيف يتكلم ؟ وكيف يقوم الكلام بنفسه ؟ ! لا نقدر نعرفه معنى ذلك إلا بما عنده من صفات نفسه ، ولولا أنه عرف نظير هذه الصفات من نفسه لما فهم مثال ذلك في حق اللّه عز وجلّ . قلت : إن المثال جائز ، والمثل باطل ؛ وذلك لأن المثال هو ما يوضّح الشيء ، والمثل ما يشابه الشيء من جميع الوجوه ، وليس شيء في الوجود ( 1 ) يماثل الحق تعالى ، فالمثال هو المرئي في الدنيا والآخرة ، كما سيأتي بسطه في الفصول الآتية إن شاء اللّه تعالى ؛ لأنه لا يصحّ لعبد أن يرى الذات المقدسة ؛ لأنها تنفي بذاتها أن يكون في حضرتها سواها ، وهذا المثال هو المراد بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت ربّي في أحسن صورة » . وفي رواية : « في صورة شابّ » ، وهو المراد أيضا بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « خلق اللّه آدم على صورته » . وفي رواية صححها ابن النجار وأيّدها الكشف : « على صورة الرحمن » ؛ فإنه لا يصحّ أن يكون المراد بذلك صورة الذات ؛ لأن الذات المقدّسة لا صورة لها إلا من حيث التجلي بالمثال ، كما يشهد لذلك خبر مسلم في التجلي يوم القيامة ، وكما تجلى جبريل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صورة دحية الكلبي . ومعلوم أن تمثّل جبريل في دحية ليس معناه أن ذات جبريل انقلبت صورة دحية ، وإنما ظهرت تلك الصورة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثالا مؤدّيا عن جبريل ما أوحى به إليه ، ونظير ذلك قوله تعالى : قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا [ مريم : 10 ] ، فإذا لم يستحيل ذلك في حق الملك وأن جبريل كان باق على حقيقته وصفته في حال ظهوره في صورة دحية فلا يستحيل ذلك في حق اللّه تعالى في يقظة ولا منام ؛ لاتفاق جميع المحققين أن المرئي مثال الذات لا عين الذات ، كما تقدّم وكما سيأتي ، ومن فهم الفرق بين المثل والمثال لم يقف في مثل ذلك ، وقد أشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأن اللّه تعالى مثالا يقع التجلي فيه حتى يعرف بقوله : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » . وذلك أنه تعالى لما كان موصوفا بالوجود قائما بنفسه حيّا عالما مريدا قادرا سمعيا بصيرا متكلما كذلك ولو لم يكن الإنسان موصوفا بهذه الصفات ما صحّ له معرفة هذه الصفات في جانب الحق تبارك وتعالى ، ولا تعقّلها . ولهذا ورد في بعض الكتب الإلهية : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، ذلك لأن كل ما لم يجد الإنسان له مثالا في نفسه يعسر عليه التصديق والإقرار به ، ومن شكّ فيما قررناه فليتعقّل لنا شيئا لم يخلقه اللّه تعالى ؛ فإنه لا يقدر قطّ على ذلك ، وهذا يصلح دليلا لمن منع رؤية ذات اللّه تعالى لولا ما ورد . ثم اعلم أن الفرق بين الحق تعالى والإنسان أن الحق تعالى يتقلّب في الأحوال ، والإنسان تتقلّب عليه الأحوال ؛ إذ يستحيل أن يكون للحال على الحق تعالى حكم ، قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، فوقعت المشاركة في الأحوال كما وقعت في الأسماء ، فافهم هذا الفرق ؛ فإنه من أوضح -