حسن بن موسى القادري
340
شرح حكم الشيخ الأكبر
فالغاية القصوى حصول ذلك النور ؛ لأن الكشف موقوف عليه ، والتوحيد الحقيقي المعتبر عند أهله مبني على الكشف ، وهذا إنما يكون إذا شاهد ذوقا أنه لا شيء معه ، وهو مع كلّ شيء بلا دخول ، ولا اتّصال ، وانفصال معية ذاتية لا صفاتية للتلازم بينهما أي :
--> - الثاني نور وارد الإقبال : ومن شأنه أن يكشف ظلمة الأغيار ويظهر بهجة المعارف والأسرار ، فتحكم البصيرة بضرر الأغيار وحسن الأسرار ، فيقبل القلب على بهجة الأسرار ، ويدبر عن ظلمة الأغيار ، وهذا هو نور السائرين . الثالث نور وارد الوصال : ومن شأنه أن يكشف ظلمة الكون ورداء الصون ، ويظهر نور تجليات المكون ، فيقبل القلب على مشاهدة مولاه ، ويدبر عن الالتفات إلى ما سواه ، وهذا هو نور الواصلين وهو نور المواجهة ونور ما قبله نور التوجه ، وإن شئت . قلت : هو نور الإسلام والإيمان والإحسان . فنور الإسلام يكشف : ظلمة الكفر والعصيان ويظهر نور الانقياد ، والإذعان ، فتحكم البصيرة بقبح الكفر والعصيان ، وحسن نور الإسلام والإذعان ، فيقبل القلب على طاعة ربه ويعرض عما يبعده من ربه . ونور الإيمان يكشف : ظلمات الشرك الخفي ويظهر بهجة الإخلاص والصدق الوفي ، فتحكم البصيرة بقبح الشرك وضرره وحسن الإخلاص ، وخيره ، فيقبل القلب على توحيد ربه ، ويعرض عن الشرك وشره ونور . الإحسان يكشف : ظلمة السوى ويظهر نور وجود المولى ، فتحكم البصيرة بقبح ظلمة الأثر وحسن نور المؤثر فيقبل القلب على معرفة مولاه ، ويغيب بالكلية عما سواه وإن شئت قلت : هذا النور هو نور الشريعة والطريقة والحقيقة . فنور الشريعة يكشف : ظلمة البطالة والتقصير ويظهر نور المجاهدة والتشمير ، فتحكم البصيرة بقبح البطالة وحسن المجاهدة فيقبل القلب على مجاهدة الجوارح في طاعة مولاه ويدبر عن متابعة حظوظه وهواه ، ونور الطريقة يكشف : ظلمة المساوئ والعيوب ، ويظهر بهجة الصفاء ، وما يثمره من علم الغيوب ، فتحكم البصيرة بقبح العيوب وحسن الصفا وعلم الغيوب ، فيقبل القلب على ما يوجب التصفية ، ويدبر عما يمنعه من التخلية والتحلية . ونور الحقيقة يكشف : ظلمة الحجاب ويظهر له محاسن الأحباب ، أو تقول : نور الحقيقة يكشف له ظلمة الأكوان ويظهر نور الشهود والعيان ، فيقبل القلب على مشاهدة الأحباب داخل الحجاب ، ويدبر عما يقطعه عن الأدب مع الأحباب ، جعلنا اللّه معهم على الدوام في هذه الدار وفي دار السلام آمين . ولما كان أصل كل نور وسر وخير هو طاعة اللّه ، وأصل كل ظلمة وحجاب وبعد هو معصية اللّه ، ومن علامة حياة القلب : فرحه بالطاعة وحزنه على صدور المعصية ، نبّهك الشيخ على وجه الفرح بالطاعة التي هي سبب نور القلوب ، ومفاتيح الغيوب .