حسن بن موسى القادري

315

شرح حكم الشيخ الأكبر

يطلب غيره ؛ لأنه لا يرى إلا إياه ، فلا يجعل ما عنده من الكشف والكرامات سببا لحصول الجاه والمنصب في الدّنيا لعلمه باللّه ومراتبه ، وظهوره في المظاهر كلها الدّنياوية والأخروية ، فليس مقصده إلا الذات ففني في اللّه ، وبقي باللّه ، وترك الكل للكل ، وأمّا السالك الحقيقي فيصرف همّته في الأمور الأخروية وأحوالها ، ويعد ما عداها مما حصل له من الأمور الدنيوية مكرا واستدراجا ، وأما الغيّر الحقيقي فتعلقت همّته بالأمور الدنيوية ، فهذا الرجل نصيبه عند اللّه ما يطلبه منه تعالى ، ولا نصيب له في الآخرة وهو فيها من الخاسرين ؛ لأنه تعالى أعطاه ما هو قصده في الدّنيا ، فيكون في الآخرة من الخاسرين ، فتأمل قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [ الشورى : 20 ] . وورد : « نية المرء خير من عمله ولكل امرء ما نوى « 1 » » ، فمن يكون همته ونيته في الدّنيا يكون له شيء منها مما قسم اللّه له ، ولا يكون له نصيب من الآخرة فضلا عن أن يكون نصيبه اللّه تعالى ، وقد يكون خاسرا للدنيا والآخرة إذا لم يقسم اللّه له شيئا مما يطلبه ، ونعوذ باللّه من هذا ومن ذاك . وإن تعلقت همته بالآخرة فيزيد اللّه له بإعطائه لكل واحد عشرة إلى سبعمائة ، وما فوقها إلى ألف وأربعمائة ، فيكون له نصيب كامل في الآخرة ، ولا يكون نصيبه الحق تعالى ، فماذا وجد من فقده تعالى ؟ والذي انحصرت همّته في اللّه ، وما علم إلا اللّه ، وما طلب ، وما أراد إلا اللّه ، ولا رأى غير اللّه فيكون واجدا للّه ، ويكون هو تعالى نصيبه فماذا فقد من وجده تعالى ؟ فهو الفائز في الدارين بما فيهما ولا يحزنه الفزع الأصغر والأكبر فهو من الآمنين الذين فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 38 ] ، فأهل اللّه ليس نصيبهم إلا اللّه ، ومن كان نصيبه اللّه فكل شيء هو نصيبه ، ويؤيد ما ذكر من أن الحق يصير نصيبا للعبد قوله تعالى على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم : « من عرفني طلبني ومن طلبني وجدني ومن وجدني أحبني ومن أحبني قتلته ومن

--> ( 1 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ( 5 / 343 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 6 / 219 ) بنحوه .