حسن بن موسى القادري
310
شرح حكم الشيخ الأكبر
والحج والجهاد وإيتاء الزكاة . والثاني : طريق أصحاب المجاهدات والرياضات والمكابدات . والثالث : طريق السائرين إلى اللّه تعالى والطائرين به . فالواصل بالأول أقل قليل ، وبالثاني نادر ، وبالثالث أكثر في البدايات من غيرهم في النهايات ؛ لأنه طريق أهل المحبّة السالكين بالجذبة الإلهية التي توازي عمل الثقلين ، وبناء هذا الطريق مبني على الموت الإرادي المشار إليه بقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « موتوا قبل أن تموتوا بالإرادة قبل موتكم الطبيعي « 1 » » . وهذا الموت له أربعة أركان كل منها موت برأسه . فالموتات عندهم أربعة سوى الموت الطبيعي ، وتلك الأركان : الجوع ، والصبر ، ومخالفة النفس ، والقناعة ، وقد مرّ هذا وأسماء الأركان الأربعة ، ويدخل فيها التوبة والزهد والتوكل والعزلة وملازمة الذكر والتوجه إلى اللّه بالكلية والمراقبة والرضا ، فلا حاجة إلى جعلها أصولا للموت ، فالطريق الثالث عند ذلك البعض أقرب من الأول والثاني ، وهو الذي أشار إليه الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : ( وأقربها الذلّ والانكسار ) أي : أقرب الطرق إلى اللّه تعالى الذلّ بأن يخفض جناح الذل أي : الشفقة والرحمة لجميع خلق اللّه تعالى ، ولا تكون عنده صعوبة أصلا والانكسار والنقص في المطالب والمرادات ، ولا يرى غيره شرا منه ، ولا يكون عنده مال ولا حال ولا قال ، كما قاله أبو يزيد البسطامي قدس سره العزيز : ( فالذل والانكسار وأقرب الطرق إلى اللّه تعالى من كثرة الصوم الصلاة خصوصا بالليل ، والناس نيام ، والحج ، والجهاد ، وتلاوة مجيد الكلام ، وتقليل الطعام ، والكلام ، والمنام وغير ذلك من أنواع المجاهدات والرياضات والمكابدات ) . قال الأستاذ الكبير العالم النحرير شيخ الصغير والكبير القطب الصمداني السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وأفاض علينا من بركات فتوحه : « نظرت في الطريق فرأيت الازدحام على جميع الأبواب إلا باب الذل والانكسار فما كان عليه أحد فاخترته لنفسي ، فدخلت منه فلما التفت إلى خلفي رأيت الناس كلهم بعيدا عني من وراءي ،
--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 1666 ) .