حسن بن موسى القادري
309
شرح حكم الشيخ الأكبر
وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كل ميسر لما خلق له « 1 » » والكل مخلوق للعبادة قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . فهم ميسرون لما خلقوا له ، فالكل عباد اللّه بالضرورة ، فصارت الطرق إلى اللّه مختلفة متعددة لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات وتعددها ، ولهذا ظهرت النّحل وافترقت المللّ إلى اثنين وسبعين ، والأصول منها عشرة الكفار والطبائعية والفلاسفة ، والوثنية ، والمجوس ، والدهرية ، والبراهمة ، واليهود ، والنصارى ، والمسلمون والكل من هذه الطوائف عابدون للحق كما ينبغي ، لكن من عبده على التقيد بمحدث ومظهر فهو مشرك ؛ لأنه نودي إلى اللّه من مكان بعيد فصار ضالا شقيا ، فإن طريقه طريق الشقاوة التي هي من الاسم المضل والمنتقم وغير ذلك مما هو ضد الهداية من عبده على الإطلاق فهو موحد ؛ لأنه نودي من مكان قريب فصار سعيدا ؛ لأن طريقه طريق السعادة التي هي من الاسم الهادي ، فالدّاعي لهما هو اللّه تعالى بدليل قوله تعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : 56 ] ، فالكل بهذا المعنى على صراط مستقيم ؛ لأن الرب على صراط مستقيم أي : موصل من يمشي عليه إلى غايته المطلوبة سعادة كانت أو شقاوة ، ولكن ليس على الصراط المستقيم الموصل إلى السعادة من غير شقاوة وتعب إلا المسلمون ، ومن هنا يعلم فائدة تقييد الصراط المستقيم في الفاتحة : بمن أنعم عليهم من غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وأمّا العارفون فهم على صراط اللّه الذي هو أفضل وأخص من الصراط المستقيم ، فعلى التحقيق يجوز أن يراد من الطرق مطلق الطريق سواء كان الماشي عليها مسلما أو كافرا يهوديا أو نصرانيا وغير ذلك ، فمنها بعدي ، ومنها قريب ، ومنها أبعد ، ومنها أقرب ، فمتى كانت القيود أكثر يكون الطريق أبعد ، ومتى كانت أقل يكون بعيدا ، ومتى كان الإطلاق فهو قريب وإن كان أتم فهو أقرب ، فافهم الإشارة ولا تقف عند ظاهرة العبارة حتى لا تفوتك الغاية . وقال بعضهم : الطرق إلى اللّه محصورة في أنواع ثلاثة مع كثرة عددها . الأول : طريق أرباب المعاملات بأنواع العابدات من الصوم والصلاة وتلاوة القرآن
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .