حسن بن موسى القادري
276
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - تقلبت أحواله فمن عين واحدة هو عليها ثابت ، يعبّر عنها بسجود القلب ، ولهذا لما رأى سهل في ابتداء دخوله الطريق أن قلبه سجد وانتظر أن يرفع فلم يرفع فبقى حائرا ، فما زال يسأل شيوخ الطريق عن واقعته فما وجد أحدا يعرفها ، فإنهم أهل صدق لا ينطقون إلا عن ذوق محقّق ، فقيل له : إن في عبدان شيخا معتبرا ، لو رحلت إليه ؟ ففعل ؛ فقال له : أيّها الشيخ ، أيسجد القلب ؟ فقال : إلى الأبد ، فوجد شفاءه عنده ؛ فلزم خدمته ، فاللّه تعالى يؤتي ما شاء من علمه من شاء من عباده : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ا ه . وكان مذهبه رضي اللّه عنه التحري في الحلال ، فلم يوجد في زمنه من يدقق فيه مثله . وفي ذلك قال رضي اللّه عنه من باب التحدث بنعمة اللّه : أنا حجّة اللّه على الخلق ، وأنا حجّة اللّه على أولياء زماني . فبلغ ذلك أبا زكريا الساجي وأبا عبد اللّه الزبيري ؛ فذهبا إليه ، فقال له أبو عبد اللّه الزبيري ، وكان جسورا ؛ لأنه كان ضريرا : بلغنا عنك أنك تقول : أنا حجّة اللّه على الخلق ، وأنا حجّة اللّه على أولياء زماني ، فبماذا صرت ، هل أنت نبيّ أو صدّيق ؟ فقال رضي اللّه عنه : لم أذهب حيث ظننت ، ولست أنا نبيّا ، إنما قلت هذا ؛ لأنني صححت أكل الحلال دون غيري . فقال له : وأنت صححت الحلال . فقال رضي اللّه عنه : نعم ، لا آكل دائما إلا حلالا . فقال له الزبيري : وكيف ذلك ؟ فقال له رضي اللّه عنه : قسّمت عقلي وقوتي ومعرفتي على سبعة أجزاء ، فأترك الأكل حتى يذهب منها ستة أجزاء ، ويبقى جزء واحد ، فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء وتتلف معه نفسي أكلت بقدر البلغة ؛ خوفا أن أكون أعنت على نفسي ؛ ولترد علي الستة الأخرى ، فبهذا صحّ لي الحلال . فقال الزبيري : نحن لا نقدر على المداومة على هذا ، ولا نعرف أن نقسّم عقولنا ومعرفتنا وقوتنا على سبعة أجزاء ، واعترف بفضل سيدنا سهل رضي اللّه عنه . ومن كلامه رضي اللّه عنه : من لم يكن مطعمه من الحلال لم يكشف عن قلبه حجاب ، وتسارعت إليه العقبات ، ولا تنفعه صلاته ولا صومه . وقال : أصول طريقنا سبعة : التمسك بالكتاب والسنة ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، وتجنب المعاصي ، والتوبة ، وأداء الحقوق . وقال : العيش أربعة : عيش الملائكة بالطاعة ، والأنبياء في العلم وانتظار الوحي ، والصديقين في الاقتداء ، وسائر الناس في الأكل والشرب كالبهائم . وقال : العلوم ثلاثة : علم ظاهر يبذل لأهل الظاهر ، وعلم باطن لا يظهر إلا لأهله ؛ خوف الفتنة ، وعلم بين العبد والربّ يستحيل إظهاره لأحد من الخلق . وسئل عن الاسم الأعظم ، فقال : أروني الأصغر أريكم الأعظم ، أسماء اللّه كلها عظيمة ، أصدق ؛ وخذ أيّ اسم شئت يفعل معك . وله رضي اللّه عنه تصانيف نفيسة ، منها « رقائق المحبين ومواعظ العارفين » ، و « جوابات أهل اليقين » ، و « المعارضة والرد على أهل الفرق أهل الدعاوى في الأحوال » ( مطبوع ) ، ومات قدّس سرّه سنة 283 ه ، نفعنا اللّه به ، آمين . وانظر في ترجمته : الحلية ( 10 / 189 ، 212 ) ، وطبقات الشعراني ( 1 / 90 ) .