حسن بن موسى القادري
251
شرح حكم الشيخ الأكبر
وأمّا الحقيقة فلا قرب فيها ولا بعد ، فاللّه تعالى لا يدومه قرب ؛ لأنه لو كان هكذا لكان القرب سببا لشهوده ، وليس كذلك ، بل هو مناف لشهوده لكونه وصفا ثبوتيا مع أن إثبات القرب له تعالى فيه شرك كما لا يخفى ، والشرك وإثبات شيء معه ينافي الشهود ؛ لأن حصوله عند اضمحلال الرسوم والقرب منها ، وكما أنه لا يدومه قرب كذلك لا ينتهي إليه وجود ؛ لأن المنتهي للوجود مغاير له ، والمغايرة تقتضي الإثنينية وهي منافية للشهود ؛ لأن نور شهود الجبار يفني جميع الأغيار ، فإن قيل : هذا مخالف للنص حيث قال
--> - وبعد من حيثية اسم آخر ، فالقريب من المضل فلا بعيد من الهادي ، والعكس ، فكل اسم يعطي قربا ، فالسعادة ترجع إلى هذا القرب المصطلح عليه ، وقد يكون للحق قرب خاص من العبد زائد على قربه العام . كما قال تعالى لموسى وأخيه عليهما السلام : قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ، فإن هذه المعية ، معية العناية بالحفظ والكلاءة ، لا المعية العامة ، فقرب العبد من الحق بكل ما يعطي من السعادة يتبع له قربا خاصا من الحضرات بالحقية ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم عن ربه تعالى : « من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ، ومن أتاني يسعى أتيته هرولة » . والقرب على قسمين : علمي ، وعملي . فالعلمي : أعلاه العالم بتوحيد الألوهية ، وهو على نوعين نظري ، وشهودي . والعلمي : على نحوين : قرب بأداء الواجبات : وهو القرب الفرضي كما قال صلى اللّه عليه وسلم عن ربه تعالى : « ما تقرب المقربون بأحب إليّ من أداء ما فرضته عليهم » . وقرب نفلى : كما قال صلى اللّه عليه وسلم عن ربه تعالى : « لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت له سمعا وبصرا » . ومداد العمل المقرب : إما من الباطن إلى الظاهر ، فأعمه وأتمه الإيمان . إما من الظاهر إلى الباطن ، فأعمه وأتمه الإسلام وإما من القلب الجامع بين الظاهر والباطن ، فأعلمه وأتمه الإحسان . فمقتضى القرب النفلى : تجلى الحق للعبد متلبسا القابلية المحدودة . ومقتضى القرب الفرضي : تجلي الحق له ، وظهور العبد بحسب الحق ، غير محدود ، ولا متناه . فالتمييز بين قوسي الحقانية والعبدانية في القرب المفرط إن كان خفيا يعبر « بقاب قوسين » . وإن كان أخفى يعبر عنه ب « أدنى » . ومن هنا قال قدس سره : « وقد يطلق على حقيقة : قاب قوسين » ، فالتجلي بحكم هذا القرب ، إن كان في مادة وصورة ، تتبعها القرب في النسبة المكانية ، في مجلس الشهود ، وإن كان في مجلس الشهود ، وإن كان في غير مادة ، كان قرب المنزلة والمكانة ، كقرب الوزير من الملك . . . فافهم .