حسن بن موسى القادري
250
شرح حكم الشيخ الأكبر
وورد في بعض خطاباته مع بعض أوليائه : « أنا القريب البعيد قربا هو البعد ، وبعدا هو القرب » . وهما ثابتان أيضا في حق العبد ، ولكن هذا القرب ، والبعد معنوي لا مسافي ؛ لأنه ليس للّه مسافة ، فليس قربه كقرب الشيء من الشيء ، ولا بعده كبعد الشيء من الشيء ، وكذا قرب الأشياء إليه ، وأمّا قرب الأشياء وبعدها بعضها من بعض فبالمسافة وهو ظاهر ، وأمّا المعنى كقرب الصديق من الوالد في المحبّة ، وكقرب من لا عداوة له ممن له عداوة في البغض ، وكقرب الوزير من الملك في الرتبة ، وأشباه ذلك فهو مجاز ، والقرب الحقيقي المسافي ، فإذا عرفت هذا فقرب الحق تعالى من خلقه من جهة ( صفاته ) أيّ : صفاته قريبة إلى العبد وغيره من المخلوقات ؛ لأنها سارية فيها والكل آثارها ؛ ولأن صفات الخلق فانية لبقائها على عدمها الأصلي ، فليس في الوجود إلا صفاته ، فحقا يكون معنى قرب الصفات أن لا يشاهد العبد إلا الصفات ، ولا يرى آثارها ممتازة عنها ، وقال بعضهم : قرب الحق تعالى هو أن لا يبقى لذلك الشيء المتقرب إليه وجود معه أصلا ، وهذا قريب من المعنى الثاني من المعنيين المذكورين ، ويجوز أن يحمل ما قاله البعض على القرب من حيث الذات : وهو الذي كان الأمر عليه ؛ ولأنه يلزم من قرب الصفات قرب الذات لعدم جواز الانفكاك بينهما فاعرفه ، وهكذا قرب العبد من الحق تعالى من حيث صفاته بأن تكون صفاته قريبة من صفات الحق تعالى ، كما يشر إليه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « تخلقوا بأخلاق اللّه « 1 » » ، فمن تأمل هذا الكلام لا يخرج عن هذا النظام ، وهو في الحقيقة له إمام ، وأمّا بعد العبد منه تعالى فهو من حيث ذاته ؛ لأنه لا ذات كذاته . وقد قال تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وبعد الحق تعالى عنه فهو من حيث أنه كان اللّه ولا شيء معه ، والآن كما كان . واعلم أن القرب « 2 » ، والبعد ليس إلا في الحجاب .
--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) القرب : القيام بالطاعة ، والقرب : هو دنو العبد من اللّه تعالى بكل ما يعطيه من السعادة ، لأقرب الحق العبد ، فإنه من حيث دلالة : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، عليه قرب عام سواء كان سعيدا ، أو شقيا ، فكل عبد ، في كل وقت ، تحت حكومة الأسماء الإلهية قرب ، من حيث تجلي اسم إلهي -