حسن بن موسى القادري
239
شرح حكم الشيخ الأكبر
قلبه لا يمكن له النظر إلى غيره لتلاشي الحادث في القديم عند اقترانه به ، فإنه إذا ظهرت الصفات اضمحلت المكنونات ، فمن عرف الحق لم ير غيرا مع أن الغير عنده ممنوع ، فلا غير عنده حتى يشتغل به فلا يكون اشتغاله إلا بالحق . وإذا أوعيت هذا ، فاعلم أن معرفة الحق وكذا غيرها من الأحوالات والمقامات ، بل كل الإعطاءات والموهوبات ، وإن كانت بحسب الظاهر من المخارج يعني ليست وما كانت موجودة ، لكن بالتعلم والكسب حصلت له إلا أنها في الحقيقة مستترة كامنة فيه ؛ لأن عينه الثابتة في الأزل كانت مستعدة لها فوجودها له منه لا من الغير ، والحاصل أن كل ما يأتي أمر إلى العبد من خير أو شر فهو منه لا من غيره ، لكن لّما كان ظهوره بالتدريج بحصول الشرائط والأسباب ظن المحجوبون أنه من الخارج بالكسب والتعلم . 48 - ما عرف الحق عارف إلا بما فيه منه . وهو الذي أشار إليه الشيخ قدّس سرّه بقوله : ( ما عرف الحق عارف إلا بما فيه منه ) أي : ليس معرفة العارف « 1 » الحق تعالى إلا بما هو كامن فيه بظلام البشرية مستور وفيه
--> ( 1 ) قال الشيخ الصيادي في شرحه لحكم سيدنا الرفاعي : ثم قال : ( المعرفة باللّه على أقسام ) : أي المعرفة بحكمة اللّه في ملكه ، وخلقه ، والقصد من إظهار عظمة ربوبيته على أقسام كثيرة ، وأعظم أقسامها إصابة ، وأجلّها حكمة ، وأقربها لرضا اللّه تعظيم أوامر اللّه تعالى ، بامتثال ما أمر به وترك ما نهى عنه . وهذا هو الانتباه السليم الذي هو ضد الغفلة ، وأقرب الطرق إلى اللّه تعالى ، ولهذا اتبع سيدنا المؤلف جملته الماضية بقوله : ( بين العبد والرّب حجاب الغفلة لا غير ) ، فقد عيّن أن الغفلة حائل ، وقاطع عن اللّه تعالى ، والانتباه حبل متين يلزم الاعتصام به ليصل به العبد إلى اللّه ، وأيّد مقصده بقول اللّه تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] . ثم قال : ( العبد العارف ) : أي الذي ذاق طعم المعرفة المبحوث عنها ، يفزع إلى اللّه لا لغيره ، ويتوقع سر اللّه ، وهو العون الناشئ من محض الكرم والفضل من دون سابقة صنع ولا عمل ، وهو فرج اللّه الذي يحف بعبده من حيث لا يدري . ( قلائد الزبرجد ص 209 ) بتحقيقنا . وقال الشيخ الشرقاوي : فقد سئل الجنيد عن العارف فقال : « لون الماء لون إنائه » . أي هو متخلق بأخلاق اللّه حي كأنه هو ، وما هو هو ، وهو هو ، فالعارف عند الجماعة : من أشعر نفسه الهيبة والسكينة ، وجعل أول المعرفة للّه ، وآخرها ما لا يتناهى ، ولم يدخل قلبه حق ولا باطل وغاب عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق ، فلا يشهد غير اللّه ، ولا يرجع إلى غيره ، فهو يعيش بربه لا بقلبه ، -