حسن بن موسى القادري
162
شرح حكم الشيخ الأكبر
فيتحقق حقا بالأسماء والحروف ويعلم حقائقها ، فيكشف له الأشياء الغامضة من المعاني اللطيفة ، والعلوم الغربية الظريفة ، وإلا فيصرف ، ويمنع عن هذا الكشف المذكور لوجود الران على قلبه ، فلا يدرك غوامض الأشياء ، واللّه ولي الهداية ، والتوفيق ، وإرساله التحقيق ، والتدقيق ، والسلوك في سواء الطريق . 28 - لا يبرز لسرّ اللّه إلا من تبدّلت أرضه وسماءه . ثم بيّن قدّس سرّه كيفية البروز لمعرفة سر اللّه فقال : ( لا يبرز لسرّ اللّه إلا من تبدّلت أرضه وسماءه ) أي : لا يظهر لمعرفة سره اللّه من البروز بمعنى الظهور أو الإبراز بمعنى الإظهار ، فعلى الأول يكون ( يبرز ) مبنيا للفاعل مضموم العين ، ويجوز كسرها بقواعد الصرف ، وعلى الثاني يكون مبنيا للمفعول ، فبالجملة لا يكون أحد من الآحاد مستعدا بالفعل إلا الرجل الذي تبدلت أرض نفسه بأن صارت صفاتها البشرية صفاتا ملكية ، وتبدلت سماء روحه أيضا بأن صار سرّا أو خفيا أو أخفى ، أو المراد سماء القلب بأن يصير روحا ، أو المراد بتبديل أرض النفس أمانتها عن صفاتها ، وتبديل أرض القلب أحياؤها بنور الإيقان والعرفان ، وذلك إذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليفة طوى سرادقات الوجود ، فما بقيت أرضه ولا سماؤه ولا ظلماته ولا ضياؤه فإنه ما عند اللّه صباح ولا مساء ، وفي هذا المقام تلاشت العبدية في كعبة العندية ، ونودي بفناء الفناء في عالم البقاء ورفعت لقبلة وما بقي إلا اللّه فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] إن اللّه واسع يوسع قلب من يشاء من عباده عليم بمن يسع عليهم أو عليم بتوسيع القلب لسعته ، ففيه إشارة إلى أن القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها فتغرب من هواجس النفس ، وتشرق من واردات الروح ، ثم الكلام في التبديل مقتبس من قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] ، وفيه إشارة إلى إبقائهما مع تبديلهما ، ولا يجوز زوالهما عن خصائص النفسية ، والعلمية لاحتياج الإنسان في السير إلى اللّه إلى كلتا الصفتين ، فالبعض كالقدمين ، والبعض كالجناحين ، والبعض كالسفينة ، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ فاطر : 41 ] أي : سماوات القلوب ، وأرض النفوس أن تزولا كما مرّ من الاحتياج إليهما فاعرف .