حسن بن موسى القادري

154

شرح حكم الشيخ الأكبر

ومنها أنه يعرض للسالك في الطريق العلل والأمراض من انحراف مزاج الطلب والإرادة ، فيحتاج إلى طبيب حاذق لإزالتها بالأدوية الصالحة وإلا فينقطع عن الطريق ، ومنها أن مرآة القلب لمّا صفت يتجلى الروح فيها مجردا عن الكسوة البشرية ، ومتصفا بالصفات الربانية ، فيوجد العبد في هذا المقام وذوق : أنا الحق وسبحاني ، فيظن أنه مقام لا مقام فوقه ، وما لأحد من الأنبياء والأولياء مقام فوق هذا المقام ، فلو لم يكن له شيخ يبين له المقامات ، ويكشف له ما فوق هذا المقام ، ويرغبه ويشوقه فيه يبقى في مقامه أبد الآباد ، ومنه خوف زوال الإيمان ، وحصول آفة الحلول والاتّحاد « 1 » .

--> ( 1 ) قلت : مسألة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود قد كثر فيها الكلام من العالم والجاهل ، فكثر الكلام ، وتخبطت الآراء ، وتنازعت ، وبمجرد إطلاق لفظ وحدة الوجود يتوهم الجاهل القول بالحلول والاتحاد ، ونسبها ظلما وعدوانا الكثير من الجهلة قديما إلى سيدنا الشيخ الأكبر وأكابر الأولياء : كالشيخ سيدي عبد الكريم الجيلي ، والشيخ القوني ، والشيخ ابن سبعين ، والشيخ ابن الفارض ، وغيرهم رضي اللّه عن جميعم ، وتبعهم على ذلك أتباعهم من المتأخرين ، وإن شئت قلت : أعوانهم في تلك الجهالة ، وكان مدخلهم إلى هذه النسبة وتلك الاعتراضات وتجرؤهم على ما يجهلونه من علوم الأولياء نظرهم إلى علوم القوم باعتبار أنها علوم فلسفية ، مصدرها الفكر والعقل ، وكأنهم لم يسمعوا قول اللّه تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] ، ولا قوله تعالى : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، ولا قوله تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] ، ولا قوله تعالى : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [ آل عمران : 79 ] ، ولا قوله : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السجدة : 24 ] ، ولا ما روي عن أبي جحيفة قال : سألت عليّا رضي اللّه عنه : هل عندك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم شيء سوى القرآن ؟ فقال : ( لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في القرآن وما في هذه الصحيفة ) ، قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ الحديث ، ولا ما روي في البخاري : حدثنا إسماعيل قال : حدثني أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : ( حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم ) ، ولم يبلغهم مما ورد في كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم مما يقرر اختصاص الحق سبحانه لمن شاء من عباده بما شاء من عطاياه ، سواء كان المعطى محسوسا أم معنويّا كالعلم باللّه والفهم في كتابه ، فراحوا ينكرون كل ما يجهلونه ، وكأنهم أحاطوا بما عند اللّه ، أو تحكموا -